حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَقَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ

[56] 2770 - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ ، ح ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ : حَدَّثَنَا ، وَقَالَ الْآخَرَانِ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، وَالسِّيَاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ وَابْنِ رَافِعٍ ، قَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ جَمِيعًا : عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا ، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا ، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا ، ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا ، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي ، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي ، وَأُنْزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا . حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوِهِ ، وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدْ انْقَطَعَ ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي ، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي ، فَحَمَلُوا هَوْدَجِي ، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ . قَالَتْ : وَكَانَتْ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا ، لَمْ يُهَبَّلْنَ ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا .

وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ ، وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ . فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ . وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ ، فَادَّلَجَ ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي ، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي ، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيَّ ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي ، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي ، وَوَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا ، فَرَكِبْتُهَا ، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا ، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي ، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُ ، ثُمَّ يَقُولُ : كَيْفَ تِيكُمْ ؟ فَذَاكَ يَرِيبُنِي ، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ ، وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا ، وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا ، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا .

فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا ، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ : تَعِسَ مِسْطَحٌ ، فَقُلْتُ لَهَا : بِئْسَ مَا قُلْتِ ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ؟ قَالَتْ : أَيْ هَنْتَاهْ ، أَوْلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ ؟ قُلْتُ : وَمَا الَّذِي قَالَ ؟ قَالَتْ : فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَلَّمَ ، ثُمَّ : قَالَ كَيْفَ تِيكُمْ ؟ قُلْتُ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ ؟ قَالَتْ : وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا ، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ ، فَقُلْتُ لِأُمِّي : يَا أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ ؟ فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا . قَالَتْ : قُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا ؟ قَالَتْ : فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ . ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ ، قَالَتْ : فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنْ الْوُدِّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هُمْ أَهْلُكَ ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا .

وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ، وَإِنْ تَسْأَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ ، قَالَتْ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ ، فَقَالَ : أَيْ بَرِيرَةُ ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ ؟ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا ، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ . قَالَتْ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي ؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا ، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا ، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ : أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ ، قَالَتْ : فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا ، وَلَكِنْ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ : كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ .

فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ : كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ . فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ . قَالَتْ : وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ .

ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي . فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي ، وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَأَذِنْتُ لَهَا ، فَجَلَسَتْ تَبْكِي . قَالَتْ : فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قَالَتْ : وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ ، قَالَتْ : فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ، ثُمَّ تَابَ ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَتْ : فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً ، فَقُلْتُ لِأَبِي : أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ لِأُمِّي : أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فَقُلْتُ ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ : إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ : إِنِّي بَرِيئَةٌ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ قَالَتْ : ثُمَّ تَحَوَّلْتُ ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي . قَالَتْ : وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى ، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا ، قَالَتْ : فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ ، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ . قَالَتْ : فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ : أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ .

أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ ، فَقَالَتْ لِي أُمِّي : قُومِي إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي ، قَالَتْ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عَشْرَ آيَاتٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي . قَالَتْ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ : وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى إِلَى قَوْلِهِ : أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي ، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا ، قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرِي ، مَا عَلِمْتِ ، أَوْ مَا رَأَيْتِ ؟ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي .

وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا ، قَالَتْ عَائِشَةُ : وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ : احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ . [57] وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، ح ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ؛ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ بِإِسْنَادِهِمَا ، وَفِي حَدِيثِ فُلَيْحٍ : اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ ، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ : احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ كَقَوْلِ يُونُسَ . وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ : قَالَ عُرْوَةُ : كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ ، وَتَقُولُ : فَإِنَّهُ قَالَ :

فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
وَزَادَ أَيْضًا : قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ ، قَالَتْ : ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .

وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ : مُوعِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : مُوغِرِينَ . قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ : قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ : مَا قَوْلُهُ مُوغِرِينَ ؟ قَالَ : الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ . [58] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَال : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَتَشَهَّدَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي ، وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُّ .

وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ ؟ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ ، وَفِيهِ : وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتِي ، فَسَأَلَ جَارِيَتِي فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا ، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ عَجِينَهَا ، أَوْ قَالَتْ : خَمِيرَهَا ، شَكَّ هِشَامٌ ، فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ ، فَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ ، وَقَدْ بَلَغَ الْأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ الزِّيَادَةِ : وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ وَحَسَّانُ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ وَحَمْنَةُ . ( 10 ) باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ .

قَوْلُهُ : ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ . إِلَى قَوْلِهِ : وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ ، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ . إِلَى قَوْلِهِ : وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ جَمْعِهِ الْحَدِيثَ عَنْهُمْ جَائِزٌ لَا مَنْعَ مِنْهُ ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ بَعْضَ الْحَدِيثِ عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَبَعْضَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ ثِقَاتٌ مِنْ أَجَلِّ التَّابِعِينَ ، فَإِذَا تَرَدَّدَتِ اللَّفْظَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ كَوْنِهَا عَنْ هَذَا أَوْ ذَاكَ لَمْ يَضُرَّ ، وَجَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا لِأَنَّهُمَا ثِقَتَانِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ : حَدَّثَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو ، وَهُمَا ثِقَتَانِ مَعْرُوفَانِ بِالثِّقَةِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ .

قَوْلُهُ : ( وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَأَثْبَتُ اقْتِصَاصًا ) أَيْ : أَحْفَظُ وَأَحْسَنُ إِيرَادًا وَسَرْدًا لِلْحَدِيثِ . ج١٧ / ص٢٥٢قَوْلُهَا : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ) هَذَا دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَمَلِ بِالْقُرْعَةِ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ ، وَفِي الْعِتْقِ وَالْوَصَايَا وَالْقِسْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَقَدْ جَاءَتْ فِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : عَمِلَ بِهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ : يُونُسُ ، وَزَكَرِيَّا ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اسْتِعْمَالُهَا كَالْإِجْمَاعِ ، قَالَ : وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ رَدَّهَا ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِبْطَالُهَا ، وَحُكِي عَنْهُ إِجَازَتُهَا . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ : الْقِيَاسُ تَرْكُهَا ، لَكِنْ عَمِلْنَا بِهَا لِلْآثَارِ .

وَفِيهِ : الْقُرْعَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ عِنْدَ إِرَادَةِ السَّفَرِ بِبَعْضِهِنَّ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ بَعْضِهِنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ، هَذَا مَذْهَبُنَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ بِلَا قُرْعَةٍ ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ أَنْفَعَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ ، وَالْأُخْرَى أَنْفَعُ لَهُ فِي بَيْتِهِ وَمَالِهِ . قَوْلُهَا : ( آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ ) رُوِيَ بِالْمَدِّ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ وَبِالْقَصْرِ ، وَتَشْدِيدِهَا : أَيْ : أَعْلَمَ . قَوْلُهَا : ( وَعِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ ) أَمَّا ( الْعِقْدُ ) فَمَعْرُوفٌ نَحْوَ الْقِلَادَةِ ، ( وَالْجَزْعُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ ، وَهُوَ خَرَزٌ يَمَانِيٌّ ، وَأَمَّا ( ظَفَارِ ) فَبِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَسْرِ ، تَقُولُ : هَذِهِ ظَفَارِ ، وَدَخَلْتُ ظَفَارِ ، وَإِلَى ظَفَارِ بِكَسْرِ الرَّاءِ بِلَا تَنْوِينٍ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، وَهِيَ قَرْيَةٌ فِي الْيَمَنِ .

قَوْلُهَا : ( وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِي كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( لِي ) بِاللَّامِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( بِي ) بِالْبَاءِ ، وَاللَّامُ أَجْوَدُ ، وَيَرْحَلُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُخَفَّفَةِ ، أَيْ : يَجْعَلُونَ الرَّحْلَ عَلَى الْبَعِيرِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا : ( فَرَحَلُوهُ ) بِتَخْفِيفِ الْحَاءِ ، وَ ( الرَّهْطُ ) هُمْ جَمَاعَةٌ دُونَ عَشَرَةٍ ، وَ ( الْهَوْدَجُ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النِّسَاءِ . قَوْلُهَا : ( وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُهَبَّلْنَ ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمَ ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ ) ، فَقَوْلُهَا ( يُهَبَّلْنَ ) ضَبَطُوهُ عَلَى أَوْجُهٍ أَشْهَرُهَا ضَمُّ الْيَاءِ وَفَتْحُ الْهَاءِ وَالْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ ، أَيْ : يَثْقُلْنَ بِاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ ، وَالثَّانِي : يَهْبَلْنَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْبَاءِ الموحدة ، وَيَجُوزُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : هَبِلَهُ اللَّحْمُ وَأَهْبَلَهُ إِذَا أَثْقَلَهُ وَكَثُرَ لَحْمُهُ وَشَحْمُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : ( لَمْ يَثْقُلْنَ ) ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَهُوَ أَيْضًا الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا : ( وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ ) وَ ( يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ : الْقَلِيلَ ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا : الْبُلْغَةُ . قَوْلُهَا : ( فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي ) أَيْ : قَصَدْتُهُ .

ج١٧ / ص٢٥٣قَوْلُهَا : ( وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ ) هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ بِلَا خِلَافٍ ، وكَذَا ضَبَطَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ وَالْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ وَآخَرُونَ . قَوْلُهَا : ( عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادَّلَجَ ) التَّعْرِيسُ : النُّزُولُ آخِرُ اللَّيْلِ فِي السَّفَرِ لِنَوْمٍ أَوِ اسْتِرَاحَةٍ ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : هُوَ النُّزُولُ أَيُّ وَقْتٍ كَانَ ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ . قَوْلُهَا : ( ادَّلَجَ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ ، وَهُوَ سَيْرُ آخِرِ اللَّيْلِ .

قَوْلُهَا : ( فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ ) أَيْ : شَخْصَهُ . قَوْلُهَا : ( فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ ) أَيْ : انْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي بِقَوْلِهِ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . قَوْلُهَا : ( خَمَّرْتُ وَجْهِيَ ) أَيْ : غَطَّيْتُهُ .

قَوْلُهَا : ( نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ ) ، ( الْمُوغِرُ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ النَّازِلُ فِي وَقْتِ الْوَغْرَةِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ ، وَهِيَ : شِدَّةُ الْحَرِّ ، كَمَا فَسَّرَهَا فِي الْكِتَابِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ ( مُوعِرِينَ ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَ ( نَحْرُ الظَّهِيرَةِ ) : وَقْتُ الْقَائِلَةِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ . قَوْلُهَا : ( وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ) أَيْ : مُعْظَمَهُ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ بِضَمِّهَا ، وَهِيَ لُغَةٌ . ج١٧ / ص٢٥٤قَوْلُهَا : ( وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولٍ ) هَكَذَا صَوَابُهُ ( ابْنُ سَلُولٍ ) بِرَفْعِ ( ابْنُ ) وَكِتَابَتُهُ بِالْأَلِفِ صِفَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ ، وَتَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ مَعَ نَظَائِرِهِ .

قَوْلُهَا : ( وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ ) أَيْ : يَخُوضُونَ فِيهِ ، وَ ( الْإِفْكُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَحَكَى الْقَاضِي فَتْحَهُمَا جَمِيعًا قَالَ : هُمَا لُغَتَانِ كَنَجِسَ وَنَجُسَ وَهُوَ الْكَذِبُ . قَوْلُهَا : ( هُوَ يَرِيبُنِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ ) ( يَرِيبُنِي ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ يُقَالُ : رَابَهُ وَأَرَابَهُ إِذَا أَوْهَمَهُ وَشَكَّكَهُ ، وَ ( اللُّطْفُ ) بِضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ ، وَيُقَالُ : بِفَتْحِهِمَا مَعًا لُغَتَانِ ، وَهُوَ : الْبِرُّ وَالرِّفْقُ . قَوْلُهَا : ( ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ ؟ ) هِيَ : إِشَارَةٌ إِلَى الْمُؤَنَّثَةِ ، كَذَلِك فِي الْمُذَكَّرِ .

قَوْلُهَا : ( خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ ، وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ ، يُقَالُ : نَقَهَ يَنْقَهُ نُقُوهًا فَهُوَ نَاقِهٌ ، كَكَلَحَ يَكْلَحُ كُلُوحًا فَهُوَ كَالِحٌ ، وَنَقِهَ يَنْقَهُ نَقَهًا فَهُوَ نَاقِهٌ كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا ، وَالْجَمْعُ نُقَّهٌ بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ ، وَالنَّاقِهُ هُوَ الَّذِي أَفَاقَ مِنَ الْمَرَضِ وَيَبْرَأُ مِنْهُ ، وَهُوَ قَرِيبُ عَهْدٌ بِهِ ، لَمْ يَتَرَاجَعْ إِلَيْهِ كَمَالُ صِحَّتِهِ . قَوْلُهَا : ( وَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ ) ، أَمَّا ( مِسْطَحٌ ) فَبِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَأَمَّا ( الْمَنَاصِعُ ) فَبِفَتْحِهَا ، وَهِيَ مَوَاضِعُ خَارِجِ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَتَبَرَّزُونَ فِيهَا . قَوْلُهَا : ( قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ ) هِيَ جَمْعُ كَنِيفٍ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْكَنِيفُ السَّاتِرُ مُطْلَقًا .

ج١٧ / ص٢٥٥قَوْلُهَا : ( وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ ) ضَبَطُوا ( الْأُوَلِ ) بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفُ الْوَاوِ ، وَالثَّانِي الْأَوَّلُ : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَالتَّنَزُّهُ : طَلَبُ النَّزَاهَةِ بِالْخُرُوجِ إِلَى الصَّحْرَاءِ . قَوْلُهَا : ( وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ ) أَمَّا ( رُهْمٌ ) فَبِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَ ( أُثَاثَةُ ) بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مُكَرَّرَةٍ ، وَ ( مِسْطَحٌ ) لَقَبٌ ، وَاسْمُهُ ( عَامِرٌ ) وَقِيلَ : ( عَوْفٌ ) كُنْيَتُهُ أَبُو عَبَّادٍ ، وَقِيلَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، تُوُفِّي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَقِيلَ : أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَاسْمُ أُمِّ مِسْطَحٍ ( سَلْمَى ) . قَوْلُهَا : ( فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ : تَعِسَ مِسْطَحٌ ) أَمَّا ( عَثَرَتْ ) فَبِفَتْحِ الثَّاءِ ، وَأَمَّا ( تَعِسَ ) فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَاقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى الْفَتْحِ ، وَالْقَاضِي عَلَى الْكَسْرِ ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْكَسْرَ ، وَبَعْضُهُمُ الْفَتْحَ ، وَمَعْنَاهُ : عَثَرَ ، وَقِيلَ : هَلَكَ ، وَقِيلَ : لَزِمَهُ الشَّرُّ ، وَقِيلَ : بَعُدَ ، وَقِيلَ : سَقَطَ بِوَجْهِهِ خَاصَّةً .

وَأَمَّا ( الْمِرْطُ ) فَبِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَهُوَ : كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ . قَوْلُهَا : ( أَيْ هَنْتَاهُ ) هِيَ بِإِسْكَانِ النُّونِ وَفَتْحِهَا ، الْإِسْكَانُ أَشْهَرُ ، قَالَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ : وَتُضَمُّ الْهَاءُ الْأَخِيرَةُ وَتُسَكَّنُ ، وَيُقَالُ فِي التَّثْنِيَةِ : هَنْتَانِ ، وَفِي الْجَمْعِ هَنَاتُ وَهَنَوَاتُ ، وَفِي الْمُذَكَّرِ هَنٌ وَهَنَانٌ هَنُونَ ، وَلَكَ أَنْ تُلْحِقَهَا الْهَاءَ ; لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ ، فَتَقُولُ يَا هَنَة ، وَأَنْ تُشْبِعَ حَرَكَةَ النُّونِ فَتَصِيرُ أَلِفًا فَتَقُولُ : يَا هَنَاهْ ، وَلَكَ ضَمُّ الْهَاءَ فَتَقُولُ : يَا هَنَاهُ أَقْبِلْ ، قَالُوا : وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَخْتَصُّ بِالنِّدَاءِ ، وَمَعْنَاهُ : يَا هَذِهِ ، وَقِيلَ : يَا امْرَأَةُ ، وَقِيلَ : يَا بَلْهَاءُ كَأَنَّهَا نُسِبَتْ إِلَى قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِمَكَايِدِ النَّاسِ وَشُرُورِهِمْ ، وَمِنَ الْمَذْكُورِ حَدِيثُ الصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ ، قُلْتُ : يَا هَنَاهُ إِنِّي حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهَا : ( قَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا ) ( الْوَضِيئَةُ ) : مَهْمُوزَةٌ مَمْدُودَةٌ هِيَ الْجَمِيلَةُ الْحَسَنَةُ ، وَالْوَضَاءَةُ : الْحُسْنُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ ( حَظِيَّةُ ) مِنَ الْحُظْوَةِ وَهِيَ : الْوَجَاهَةُ ، وَارْتِفَاعُ الْمَنْزِلَةِ ، وَالضَّرَايِرُ . جَمْعُ ضَرَّةٍ ، وَزَوْجَاتُ الرَّجُلِ ضَرَايِرُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَتَضَرَّرُ بِالْأُخْرَى بِالْغَيْرَةِ وَالْقَسْمِ وَغَيْرِهِ ، وَالِاسْمُ مِنْهُ الضِّرُّ بِكَسْرِ الضَّادِ ، وَحُكِي ضَمُّهَا ، وَقَوْلُهَا : إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا ، هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمُشَدَّدَةِ ، أَيْ : أَكْثَرْنَ الْقَوْلَ فِي عَيْبِهَا وَنَقْصِهَا . قَوْلُهَا : ( لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ) هُوَ بِالْهَمْزَةِ ، أَيْ : لَا يَنْقَطِعُ .

قَوْلُهَا : ( وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ) أَيْ : لَا أَنَامُ . قَوْلُهَا : ( اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ ) أَيْ : أَبْطَأَ وَلَبِثَ وَلَمْ يَنْزِلْ . قَوْلُهَا : ( وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ) هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ الصَّوَابُ فِي حَقِّهِ ; لِأَنَّهُ رَآهُ مَصْلَحَةً وَنَصِيحَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اعْتِقَادِهِ ، وَلَمْ ج١٧ / ص٢٥٦يَكُنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، لِأَنَّهُ رَأَى انْزِعَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَتَقَلُّقَهُ ، فَأَرَادَ رَاحَةَ خَاطِرِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ أَهَمَّ مِنْ غَيْرِهِ .

قَوْلُهَا : ( وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا ، فَتَأْتِي الدَّاجِنَ فَتَأْكُلُهُ ) فَقَوْلُهَا : ( أَغْمِصُهُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ : أَعِيبُهَا ، وَالدَّاجِنُ : الشَّاةُ الَّتِي تَأْلَفُ الْبَيْتَ ، وَلَا تَخْرُجُ لِلْمَرْعَى ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ : أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا تَسْأَلُونَ عَنْهُ أَصْلًا ، وَلَا فِيهَا شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا نَوْمُهَا عَنِ الْعَجِينِ . قَوْلُهَا : ( فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولٍ ) أَمَّا ( أُبَيُّ ) مُنَوَّنٌ ، وَابْنُ سَلُولٍ بِالْأَلِفِ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ ، وَأَمَّا اسْتَعْذَرَ : فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ قَالَ مَنْ يَعْذِرُنِي فِيمَنْ آذَانِي فِي أَهْلِي ، كَمَا بَيَّنَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثُ ، وَمَعْنَى ( مَنْ يَعْذِرُنِي ) ؟ مَنْ يَقُومُ بِعُذْرِي إِنْ كَافَأْتُهُ عَلَى قَبِيحِ فِعَالِهِ ، وَلَا يَلُومُنِي ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَنْ يَنْصُرُنِي ، وَالْعَذِيرُ النَّاصِرُ . قَوْلُهَا : ( فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ : أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ ) قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مُشْكِلٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ ، وَهُوَ قَوْلُهَا : ( فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ : أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ ) وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ ، ج١٧ / ص٢٥٧وَهِيَ غَزْوَةٌ بَنِي الْمُصْطَلِقِ سَنَةَ سِتٍّ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مَاتَ فِي إِثْرِ غَزَاةِ الْخَنْدَقِ مِنَ الرَّمْيَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ ، وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ السِّيَرِ ، إِلَّا شَيْئًا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَحْدَهُ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا : ذَكَرَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي هَذَا وَهَمٌ ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيَرِ ، وَإِنَّمَا قَالَ : إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَوَّلًا وَآخِرًا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَهِيَ سَنَةُ الْخَنْدَقِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ اخْتِلَافَ ابْنِ عُقْبَةَ ، قَالَ الْقَاضِي : فَيُحْتَمَلُ أَنَّ غَزوة الْمُرَيْسِيعِ وَحَدِيثَ الْإِفْكِ كَانَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ قَبْلَ قِصَّةِ الْخَنْدَقِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ الْمُرَيْسِيعَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ ، قَالَ : وَكَانَتِ الْخَنْدَقُ وَقُرَيْظَةُ بَعْدَهَا ، وَذَكَرَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ : الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَيْسِيعُ قَبْلَ الْخَنْدَقِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا لِذِكْرِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ ، وَكَانَتْ فِي الْمُرَيْسِيعِ ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَقِيمُ فِيهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَهُوَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَوْلُ غَيْرِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْمُرَيْسِيعِ أَصَحُّ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهُوَ صَحِيحٌ .

قَوْلُهَا : ( وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ ) هَكَذَا هُوَ هُنَا لِمُعْظَمِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ( اجْتَهَلَتْهُ ) بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ ، أَيْ : اسْتَخَفَّتْهُ وَأَغْضَبَتْهُ وَحَمَلَتْهُ عَلَى الْجَهْلِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ هُنَا ( احْتَمَلَتْهُ ) بِالْحَاءِ وَالْمِيمِ ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَصَالِحٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمَعْنَاهُ : أَغْضَبَتْهُ ، فَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ . قَوْلُهَا : ( فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ ) أَيْ : تَنَاهَضُوا لِلنِّزَاعِ وَالْعَصَبِيَّةِ ، كَمَا قَالَتْ : حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ ) مَعْنَاهُ : إِنْ كُنْتِ فَعَلْتِ ذَنْبًا وَلَيْسَ ذَلِكَ لَكِ بِعَادَةٍ ، وَهَذَا أَصْلُ اللَّمَمِ .

ج١٧ / ص٢٥٨قَوْلُهَا : ( قَلَصَ دَمْعِي ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ ، أَيْ : ارْتَفَعَ لِاسْتِعْظَامِ مَا يَعْنِينِي مِنَ الْكَلَامِ . قَوْلُهَا لِأَبَوَيْهَا : ( أَجِيبَا عَنِّي ) فِيهِ تَفْوِيضُ الْكَلَامِ إِلَى الْكِبَارِ ; لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِمَقَاصِدِهِ ، وَاللَّائِقِ بِالْمَوَاطِنِ مِنْهُ ، وَأَبَوَاهَا يَعْرِفَانِ حَالَهَا ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبَوَيْهَا : ( لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي سَأَلَهَا عَنْهُ لَا يَقِفَانِ مِنْهُ عَلَى زَائِدٍ عَلَى مَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِهَا ، وَالسَّرَائِرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهَا : ( مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ ) أَيْ : مَا فَارَقَهُ .

قَوْلُهَا : ( فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ ) هِيَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ ، وَهِيَ : الشِّدَّةُ . قَوْلُهَا : ( حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانَ مِنَ الْعَرَقِ ) مَعْنَى ( لَيَتَحَدَّرُ ) لِيَنْصَبُّ ، وَ ( الْجُمَانُ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ ، وَهُوَ : الدَّرُّ ، شَبَّهَتْ قَطَرَاتُ عَرَقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَبَّاتِ اللُّؤْلُؤِ فِي الصَّفَاءِ وَالْحُسْنِ . ج١٧ / ص٢٥٩قَوْلُهَا : ( فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ : كُشِفَ وَأُزِيلَ .

قَوْلُهَا : ( فَقَالَتْ لِي أُمِّي : قُومِي ، فَقُلْتُ : وَاَللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي ) مَعْنَاهُ : قَالَتْ لَهَا أُمُّهَا : قُومِي فَاحْمَدِيهِ ، وَقَبِّلِي رَأْسَهُ ، وَاشْكُرِيهِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي بَشَّرَكِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ إِدْلَالًا عَلَيْهِ وَعَتْبًا ، لِكَوْنِهِمْ شَكُّوا فِي حَالِهَا ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِحُسْنِ طَرَائِقِهَا ، وَجَمِيلِ أَحْوَالِهَا ، وَارْتِفَاعِهَا عَنْ هَذَا الْبَاطِلِ الَّذِي افْتَرَاهُ قَوْمٌ ظَالِمُونَ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ فِيهِ ، قَالَتْ : وَإِنَّمَا أَحْمَدُ رَبِّي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي ، وَأَنْعَمَ عَلَيَّ بِمَا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ ، كَمَا قَالَتْ : وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ أَيْ : لَا يَحْلِفُوا ، وَالْأَلِيَّةُ : الْيَمِينُ ، وَسَبَقَ بَيَانُهَا . قَوْلُهَا : ( أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي ) أَيْ : أَصُونُ سَمْعِي وَبَصَرِي مِنْ أَنْ أَقُولَ : سَمِعْتُ وَلَمْ أَسْمَعْ ، وَأَبْصَرْتُ وَلَمْ أُبْصِرْ .

قَوْلُهَا : ( وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي ) أَيْ : تُفَاخِرُنِي وَتُضَاهِينِي بِجَمَالِهَا ، وَمَكَانِهَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ السُّمُوِّ ، وَهُوَ الِارْتِفَاعُ . قَوْلُهَا : ( وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا ) أَيْ : جَعَلَتْ تَتَعَصَّبُ لَهَا ، فَتَحْكِي مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِفْكِ ، ج١٧ / ص٢٦٠وَطَفِقَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الْفَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَحُكِي فَتْحُهَا ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ . قَوْلُهُ : ( مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ ) ( الْكَنَفُ ) : هُنَا بِفَتْحِ الْكَافِ وَالنُّونِ ، أَيْ : ثَوْبِهَا الَّذِي يَسْتُرُهَا ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ جِمَاعِ النِّسَاءِ جَمِيعُهُنَّ وَمُخَالَطَتِهِنَّ .

قَوْلُهُ : ( وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ مُوعِرِينَ ) يَعْنِي بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ ، وَقَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : ( الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ ) هِيَ بِإِسْكَانِ الْغَيْنِ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي ) هُوَ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ مُخَفَّفة وَمُشَدَّدَةٍ رَوَوْهُ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ ، التَّخْفِيفُ أَشْهَرُ ، وَمَعْنَاهُ : اتَّهَمُوهَا ، وَالْأَبْنُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، يُقَالُ : أَبَنَهُ ، وَيَأْبُنُهُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا : إِذَا اتَّهَمَهُ وَرَمَاهُ بِخُلَّةِ سُوءٍ ، فَهُوَ مَأْبُونٌ ، قَالُوا : وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأُبَنِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ ، وَهِيَ : الْعُقَدُ فِي الْقِسِيِّ تُفْسِدُهَا ، وَتُعَابُ بِهَا . ج١٧ / ص٢٦١قَوْلُهُ : " حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ ، فَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ " هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا : ( أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ ) بِالْبَاءِ الَّتِي هِيَ حَرْفُ الْجَرِّ ، وَبِهَاءٍ ضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْجُلُودِيِّ قَالَ : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ : ( لَهَاتِهَا ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ .

قَالَ الْجُمْهُورُ : هَذَا غَلَطٌ وَتَصْحِيفٌ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَمَعْنَاهُ : صَرَّحُوا لَهَا بِالْأَمْرِ ، وَلِهَذَا قَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ; اسْتِعْظَامًا لِذَلِكَ ، وَقِيلَ : أَتَوْا بِسِقْطٍ مِنَ الْقَوْلِ فِي سُؤَالِهَا وَانْتِهَارِهَا ، يُقَالُ : أَسْقَطَ وَسَقَطَ فِي كَلَامِهِ ، إِذَا أَتَى فِيهِ بِسَاقِطٍ ، وَقِيلَ : إِذَا أَخْطَأَ فِيهِ ، وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ إِنْ صَحَّتْ مَعْنَاهَا أَسْكَتُوهَا ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ، لِأَنَّهَا لَمْ تَسْكُتْ ، بَلْ قَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الْخَالِصَةُ . قَوْلُهَا : ( وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ ) أَيْ : يَسْتَخْرِجُهُ بِالْبَحْثِ وَالْمَسْأَلَةِ ، ثُمَّ يُفْشِيهِ وَيُشِيعُهُ وَيُحَرِّكُهُ ، وَلَا نَدَعُهُ بِحْمَدٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ فَوَائِدَ كَثِيرَةً : إِحْدَاهَا : جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ عَنْ جَمَاعَةٍ ، عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ قِطْعَةً مُبْهَمَةً مِنْهُ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِعْلَ الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ ، فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَبُولِهِ مِنْهُ ، وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ . الثَّانِيَةُ : صِحَّةُ الْقُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ ، وَفِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ ، مَعَ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ . الثَّالِثَةُ : وُجُوبُ الْإِقْرَاعِ بَيْنَ النِّسَاءِ عِنْدَ إِرَادَةِ السَّفَرِ بِبَعْضِهِنَّ .

الرَّابِعَةُ : أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءَ مُدَّةِ السَّفَرِ لِلنِّسْوَةِ الْمُقِيمَاتِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا ، وَحُكْمُ الْقَصِيرِ حُكْمُ الطَّوِيلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ ، وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا . الْخَامِسَةُ : جَوَازُ سَفَرِ الرَّجُلِ بِزَوْجَتِهِ . السَّادِسَةُ : جَوَازُ غَزْوِهِنَّ .

السَّابِعَةُ : جَوَازُ رُكُوبِ النِّسَاءِ فِي الْهَوَادِجِ . الثَّامِنَةُ : جَوَازُ خِدْمَةِ الرِّجَالِ لَهُنَّ فِي تِلْكَ الْأَسْفَارِ . التَّاسِعَةُ : أَنَّ ارْتِحَالَ الْعَسْكَرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرِ الْأَمِيرِ .

الْعَاشِرَةُ : جَوَازُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ ، وَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُسْتَثْنَاةِ . الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : جَوَازُ لُبْسِ النِّسَاءِ الْقَلَائِدَ فِي السَّفَرِ كَالْحَضَرِ . الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : أَنَّ مَنْ يُرْكِبُ الْمَرْأَةَ الْبَعِيرَ وَغَيْرَهُ لَا يُكَلِّمُهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا إِلَّا لِحَاجَةٍ ; لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا الْهَوْدَجَ ، وَلَمْ يُكَلِّمُوا مَنْ يَظُنُّونَهَا فِيهِ .

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : فَضِيلَةُ الِاقْتِصَارِ فِي الْأَكْلِ لِلنِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ ، وَأن لا يُكْثِرَ مِنْهُ بِحَيْثُ يُهْبِلُهُ اللَّحْمُ ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ حَالُهُنَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا كَانَ فِي زَمَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الْكَامِلُ الْفَاضِلُ الْمُخْتَارُ . ج١٧ / ص٢٦٢الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : جَوَازُ تَأَخُّرِ بَعْضِ الْجَيْشِ سَاعَةً وَنَحْوَهَا لِحَاجَةٍ تَعْرِضُ لَهُ عَنِ الْجَيْشِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةٌ إِلَى الِاجْتِمَاعِ . الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : إِعَانَةُ الْمَلْهُوفِ ، وَعَوْنُ الْمُنْقَطِعِ ، وَإِنْقَاذُ الضَّائِعِ ، وَإِكْرَامُ ذَوِي الْأَقْدَارِ كَمَا فَعَلَ صَفْوَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي هَذَا كُلِّهِ .

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : حُسْنُ الْأَدَبِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّاتِ لَا سِيَّمَا فِي الْخَلْوَةِ بِهِنَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي بَرِّيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا فَعَلَ صَفْوَانُ مِنْ إِبْرَاكِهِ الْجَمَلَ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ وَلَا سُؤَالٍ ، وَأنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَمْشِي قُدَّامَهَا لَا بِجَنْبِهَا وَلَا وَرَاءَهَا . السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : اسْتِحْبَابُ الْإِيثَارِ بِالرُّكُوبِ وَنَحْوِهِ كَمَا فَعَلَ صَفْوَانُ . الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : اسْتِحْبَابُ الِاسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ ، سَوَاءً كَانَتْ فِي الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا ، وَسَوَاءَ كَانَتْ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ .

التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : تَغْطِيَةُ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا عَنْ نَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ ، سَوَاءٌ كَانَ صَالِحًا أَوْ غَيْرَهُ . الْعِشْرُونَ : جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ . الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَرَ عَنِ الْإِنْسَانِ مَا يُقَالُ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةٌ ، كَمَا كَتَمُوا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - هَذَا الْأَمْرَ شَهْرًا ، وَلَمْ تَسْمَعْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا بِعَارِضٍ عَرَضَ ، وَهُوَ قَوْلُ أُمِّ مِسْطَحٍ : تَعِسَ مِسْطَحٌ .

الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : اسْتِحْبَابُ مُلَاطَفَةِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ ، وَحُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ . الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : أَنَّهُ إِذَا عَرَضَ عَارِضٌ بِأَنْ سَمِعَ عَنْهَا شَيْئًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ يُقَلِّلُ مِنَ اللُّطْفِ وَنَحْوِهِ لِتَفْطِنَ هِيَ أَنَّ ذَلِكَ لِعَارِضٍ ، فَتَسْأَلَ عَنْ سَبَبِهِ فَتُزِيلَهُ . الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : اسْتِحْبَابُ السُّؤَالِ عَنِ الْمَرِيضِ .

الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ إِذَا أَرَادَتِ الْخُرُوجَ لِحَاجَةٍ أَنْ تَكُونَ مَعَهَا رَفِيقَةٌ تَسْتَأْنِسُ بِهَا ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا أَحَدٌ . السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : كَرَاهَةُ الْإِنْسَانِ صَاحِبَهُ وَقَرِيبَهُ إِذَا آذَى أَهْلَ الْفَضْلِ ، أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ ، كَمَا فَعَلَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي دُعَائِهَا عَلَيْهِ . السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : فَضِيلَةُ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَالذَّبُّ عَنْهُمْ ، كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ فِي ذَبِّهَا عَنْ مِسْطَحٍ .

الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَذْهَبُ إِلَى بَيْتِ أَبَوَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا . التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : جَوَازُ التَّعَجُّبِ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ . الثَّلَاثُونَ : اسْتِحْبَابُ مُشَاوَرَةِ الرَّجُلِ بِطَانَتَهُ وَأَهْلَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ فِيمَا يَنْوِيهِ مِنَ الْأُمُورِ .

ج١٧ / ص٢٦٣الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : جَوَازُ الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ عَنِ الْأُمُورِ الْمَسْمُوعَةِ عَمَّنْ لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ ، أَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَهُوَ تَجَسُّسٌ وَفُضُولٌ . الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : خُطْبَةُ الْإِمَامِ النَّاسَ عِنْدَ نُزُولِ أَمْرٍ مُهِمٍّ . الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : اشْتِكَاءُ وَلِيِّ الْأَمْرِ إِلَى الْمُسْلِمِينِ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ بِأَذًى فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَاعْتِذَارُهُ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِيَهُ بِهِ .

الرَّابِعَةَ وَالثَّلَاثُونَ : فَضَائِلُ ظَاهِرَةٌ لِصَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطِّلِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِمَا شَهِدَ ، وَبِفِعْلِهِ الْجَمِيلِ فِي إِرْكَابِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ، وَحُسْنِ أَدَبِهِ فِي جُمْلَةِ الْقَضِيَّةِ . الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : فَضِيلَةٌ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : الْمُبَادَرَةُ إِلَى قَطْعِ الْفِتَنِ وَالْخُصُومَاتِ وَالْمُنَازَعَاتِ ، وَتَسْكِينِ الْغَضَبِ .

السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَبُولُ التَّوْبَةِ وَالْحَثُّ عَلَيْهَا . الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : تَفْوِيضُ الْكَلَامِ إِلَى الْكِبَارِ دُونَ الصِّغَارِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ . التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ جَائِزٌ .

الْأَرْبَعُونَ : اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ بِتَبْشِيرِ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ ، أَوِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ بَلِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ . الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : بَرَاءَةُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنَ الْإِفْكِ ، وَهِيَ بَرَاءَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ ، فَلَوْ تَشَكَّكَ فِيهَا إِنْسَانٌ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : لَمْ تَزْنِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَهَذَا إِكْرَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ . الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : تَجَدُّدُ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ .

الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : فَضَائِلُ لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ الْآيَةُ . ج١٧ / ص٢٦٤الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : اسْتِحْبَابُ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَإِنْ كَانُوا مُسِيئِينَ . الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ عَنِ الْمُسِيءِ .

السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : اسْتِحْبَابُ الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ . السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، وَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ . الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : فَضِيلَةُ زَيْنَبٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .

التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : التَّثْبِيتُ فِي الشَّهَادَةِ . الْخَمْسُونَ : إِكْرَامُ الْمَحْبُوبِ بِمُرَاعَاةِ أَصْحَابِهِ ، وَمَنْ خَدَمَهُ ، أَوْ أَطَاعَهُ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِمُرَاعَاةِ حَسَّانَ وَإِكْرَامِهِ إِكْرَامًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : أَنَّ الْخُطْبَةَ تُبْتَدَأُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ .

الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْخُطَبِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّهَادَتَيْنِ : أَمَّا بَعْدُ ، وَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ . الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ : غَضَبُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ انْتَهَاكِ حُرْمَةِ أَمِيرِهِمْ ، وَاهْتِمَامُهُمْ بِدَفْعِ ذَلِكَ . الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : جَوَازُ سَبِّ الْمُتَعَصِّبِ لِمُبْطِلٍ ، كَمَا سَبَّ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لِتَعَصُّبِهِ لِلْمُنَافِقِ ، وَقَالَ : إِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ ، وَأَرَادَ أَنَّكَ تَفْعَلُ فِعْلَ الْمُنَافِقِينَ ، وَلَمْ يُرِدِ النِّفَاقَ الْحَقِيقِيَّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث