بَاب قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ
[119] 2942 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُرَيْدَةَ ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ شَعْبُ هَمْدَانَ أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ، أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ ، وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ، فَقَالَ : حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ ، فَقَالَتْ : لَئِنْ شِئْتَ لَأَفْعَلَنَّ ، فَقَالَ لَهَا : حَدِّثِينِي ، فَقَالَتْ : نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ ، فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْلَاهُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَكُنْتُ قَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ . فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : أَمْرِي بِيَدِكَ فَأَنْكِحْنِي مَنْ شِئْتَ ، فَقَالَ : انْتَقِلِي إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ ، وَأُمُّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الضِّيفَانُ ، فَقُلْتُ : سَأَفْعَلُ ، فَقَالَ : لَا تَفْعَلِي ، إِنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امْرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارُكِ ، أَوْ يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ ، فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ ، وَلَكِنْ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ فِهْرِ قُرَيْشٍ ، وَهُوَ مِنْ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ ، فَانْتَقَلْتُ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي : الصَّلَاةَ جَامِعَةً ، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَقَالَ : لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا ، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ .
حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ ، فَلَعِبَ بِهِمْ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ ، ثُمَّ أَرْفَؤوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبْ السَّفِينَةِ ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ ، فَقَالُوا : وَيْلَكِ مَا أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ ، قَالُوا : وَمَا الْجَسَّاسَةُ ؟ قَالَتْ : أَيُّهَا الْقَوْمُ ، انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ . قَالَ : لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً . قَالَ : فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا ، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا ، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ .
قُلْنَا : وَيْلَكَ مَا أَنْتَ ؟ قَالَ : قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي ، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ . قَالُوا : نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ ، رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا ، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا ، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ ، فَقُلْنَا : وَيْلَكِ مَا أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ . قُلْنَا : وَمَا الْجَسَّاسَةُ ؟ قَالَتْ : اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا ، وَفَزِعْنَا مِنْهَا ، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً ، فَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ .
قُلْنَا : عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ ؟ قَالَ : أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ ؟ قُلْنَا لَهُ : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا يثْمِرَ ، قَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ . قُلْنَا : عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ ؟ قَالَ : هَلْ فِيهَا مَاءٌ ؟ قَالُوا : هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ . قَالَ : أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ .
قَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ . قَالُوا : عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ ؟ قَالَ : هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ ؟ قُلْنَا لَهُ : نَعَمْ ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا . قَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ ؟ قَالُوا : قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ .
قَالَ : أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، قَالَ : كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنْ الْعَرَبِ ، وَأَطَاعُوهُ ، قَالَ لَهُمْ : قَدْ كَانَ ذَلِكَ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي ، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ ، فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ ؛ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا ، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا ، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا . قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ : هَذِهِ طَيْبَةُ ، هَذِهِ طَيْبَةُ ، هَذِهِ طَيْبَةُ ، يَعْنِي الْمَدِينَةَ ، أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ النَّاسُ : نَعَمْ ، فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنْ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، مَا هُوَ ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ . قَالَتْ : فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
[120] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ أَبُو عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبٍ يُقَالُ لَهُ : رُطَبُ ابْنِ طَابٍ ، وَأَسْقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَيْنَ تَعْتَدُّ ؟ قَالَتْ : طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا ، فَأَذِنَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي . قَالَتْ : فَنُودِيَ فِي النَّاسِ إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً . قَالَتْ : فَانْطَلَقْتُ فِيمَنْ انْطَلَقَ مِنْ النَّاسِ .
قَالَتْ : فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ مِنْ النِّسَاءِ ، وَهُوَ يَلِي الْمُؤَخَّرَ مِنْ الرِّجَالِ . قَالَتْ : فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ فَقَالَ : إِنَّ بَنِي عَمٍّ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَكِبُوا فِي الْبَحْرِ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ ، وَزَادَ فِيهِ : قَالَتْ : فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْوَى بِمِخْصَرَتِهِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَقَالَ : هَذِهِ طَيْبَةُ ، يَعْنِي الْمَدِينَةَ . [121] وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ غَيْلَانَ بْنَ جَرِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ فَتَاهَتْ بِهِ سَفِينَتُهُ ، فَسَقَطَ إِلَى جَزِيرَةٍ ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا يَلْتَمِسُ الْمَاءَ ، فَلَقِيَ إِنْسَانًا يَجُرُّ شَعَرَهُ ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِيهِ : ثُمَّ قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَوْ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ قَدْ وَطِئْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا غَيْرَ طَيْبَةَ ، فَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّاسِ ، فَحَدَّثَهُمْ قَالَ : هَذِهِ طَيْبَةُ ، وَذَاكَ الدَّجَّالُ .
[122] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ ، يَعْنِي الْحِزَامِيَّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، حَدَّثَنِي تَمِيمٌ الدَّارِيُّ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ قَوْمِهِ كَانُوا فِي الْبَحْرِ فِي سَفِينَةٍ لَهُمْ ، فَانْكَسَرَتْ بِهِمْ ، فَرَكِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ ، فَخَرَجُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ . ج١٨ / ص٣٨٥( 24 ) بَابُ قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ هِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى .
قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَجَسُّسِهَا الْأَخْبَارَ لِلدَّجَّالِ . وَجَاءَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا دَابَّةُ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ : نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمئِذٍ فَأُصِيبَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) مَعْنَى ( تَأَيَّمْتُ ) صِرْتُ أَيِّمًا ، وَهِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : قَوْلُهَا : ( فَأُصِيبَ ) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قُتِلَ فِي الْجِهَادِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَأَيَّمَتْ بِذَلِكَ ، إِنَّمَا تَأَيَّمَتْ بِطَلَاقِهِ الْبَائِنِ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا ، وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِمْ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ وَفَاتِهِ فَقِيلَ : تُوُفِّيَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَقِبَ طَلَاقِهَا بِالْيَمَنِ ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقِيلَ : بَلْ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ .
وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهَا : فَأُصِيبَ أَيْ بِجِرَاحَةٍ ، ج١٨ / ص٣٨٦أَوْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ هَكَذَا تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ . قَالَ الْقَاضِي : إِنَّمَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ عَدَّ فَضَائِلِهِ ، فَابْتَدَأَتْ بِكَوْنِهِ خَيْرَ شَبَابِ قُرَيْشٍ ، ثُمَّ ذَكَرَتِ الْبَاقِي . وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ حَدِيثِ فَاطِمَةَ هَذَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَبَيَانُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( وَأُمُّ شَرِيكٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ) هَذَا قَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ قُرَشِيَّةٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَاسْمُهَا غَرْبَةُ ، وَقِيلَ : غَرْبَلَةُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هُمَا ثِنْتَانِ قُرَشِيَّةٌ وَأَنْصَارِيَّةٌ . قَوْلُهُ : ( وَلَكِنِ انْتَقِلِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فِهْرٍ فِهْرِ قُرَيْشٍ ، وَهُوَ مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ . وَقَوْلُهُ ( ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ) يُكْتَبُ بِأَلِفٍ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ لَا لِعَمْرٍو ، فَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ عَمْرٍو ، وَإِلَى أُمِّهِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَجُمِعَ نَسَبَهُ إِلَى أَبَوَيْهِ كَمَا فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ ، وَنَظَائِرَ ذَلِكَ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ حِينَ قَتَلَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
قَالَ الْقَاضِي : الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ عَمِّهَا ، وَلَا مِنَ الْبَطْنِ الَّذِي هِيَ مِنْهُ ، بَلْ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . وَالصَّوَابُ أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ صَحِيحٌ ، وَالْمُرَادُ بِالْبَطْنِ هُنَا الْقَبِيلَةُ لَا الْبَطْنُ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنْهَا ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهَا مَجَازًا لِكَوْنِهِ مِنْ قَبِيلَتِهَا ، فَالرِّوَايَةُ صَحِيحَةٌوَلِلَّهِ الْحَمْدُ . ج١٨ / ص٣٨٧قَوْلُهُ : ( الصَّلَاةَ جَامِعَةً ) هُوَ بِنَصْبِ الصَّلَاةِ وَجَامِعَةٍ ، الْأَوَّلُ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ .
قَوْلُهَا ( فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) إِلَى آخِرِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْعِدَّةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ ، فَيُتَأَوَّلُ هَذَا اللَّفْظُ الْوَاقِعُ هُنَا عَلَى ذَلِكَ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : انْتَقِلِي إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ وَإِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مُقَدَّمًا عَلَى الْخُطْبَةِ وَعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ . ج١٨ / ص٣٨٨قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ : حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ سَفِينَةً ) هَذَا مَعْدُودٌ فِي مَنَاقِبِ تَمِيمٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ . وَفِيهِ رِوَايَةُ الْفَاضِلُ عَنِ الْمَفْضُولِ ، وَرِوَايَةُ الْمَتْبُوعِ عَنْ تَابِعِهِ .
وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ أَرْفَؤوا إِلَى جَزِيرَةٍ ) هُوَ بِالْهَمْز أَيْ الْتَجَؤوا إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهِيَ سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ تَكُونُ مَعَ الْكَبِيرَةِ كَالْجَنِيبَةِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا رُكَّابُ السَّفِينَةِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ ، الْجَمْعُ قَوَارِبُ ، وَالْوَاحِدُ قَارِبٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا ، وَجَاءَ هُنَا ( أَقْرُبُ ) ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِأَقْرُبِ السَّفِينَةِ أُخْرَيَاتُهَا ، وَمَا قَرُبَ مِنْهَا لِلنُّزُولِ . ج١٨ / ص٣٨٩قَوْلُهُ : ( دَابَّةٌ أَهْلَبُ ) كَثِيرُ الشَّعْرِ ، الْأَهْلَبُ غَلِيظُ الشَّعْرٍ كَثِيرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمِ بِالْأَشْوَاقِ ) أَيْ شَدِيدُ الْأَشْوَاقِ إِلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَرِقْنَا ) أَي خِفْنَا . قَوْلُهُ : ( صَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ ) أَيْ هَاجَ وَجَاوَزَ حَدَّهُ الْمُعْتَادَ ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : الِاغْتِلَامُ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْإِنْسَانُ مَا حُدَّ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْمُبَاحِ . قَوْلُهُ : ( عَيْنُ زُغَرَ ) بِزَايٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ ، وَهِيَ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الشَّامِ .
وَأَمَّا ( طِيبَةُ ) فَهِيَ الْمَدِينَةُ ، وَتُقَالُ لَهَا أَيْضًا ( طَابَةُ ) ، وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ اشْتِقَاقُهَا مَعَ بَاقِي أَسْمَائِهَا . قَوْلُهُ : ( بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّهَا أَيْ مَسْلُولًا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ ) قَالَ الْقَاضِي لَفْظَةُ ( مَا هُوَ ) زَائِدَةٌ صِلَةٌ لِلْكَلَامِ لَيْسَتْ بِنَافِيَةٍ ، وَالْمُرَادُ إِثْبَاتُ أَنَّهُ فِي جِهَاتِ الْمَشْرِقِ .
ج١٨ / ص٣٩٠قَوْلُهُ : ( فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبٍ يُقَالُ لَهُ رُطَبُ ابْنُ طَابٍ ، وَسَقَتْنَا سُوَيْقَ سُلْتٍ ) أَيْ ضَيَّفَتْنَا بِنَوْعٍ مِنَ الرُّطَبِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَسَبَقَ أَنَّ تَمْرَ الْمَدِينَةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ نَوْعًا . وَ ( سُلْتٌ ) بِضَمِّ السِّينِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ ، وَهُوَ حَبٌّ يُشْبِهُ الْحِنْطَةَ ، وَيُشْبِهُ الشَّعِيرَ . قَوْلُهُ : ( تَاهَتْ بِهِ سَفِينَتُهُ ) أَيْ سَلَكَتْ عَنِ الطَّرِيقِ .