كِتَاب الزُّهْدِ
[16] 2968 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا . قَالَ : فَيَلْقَى الْعَبْدَ فَيَقُولُ : أَيْ فُلْ ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ ، وَأُسَوِّدْكَ ، وَأُزَوِّجْكَ ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ ؟ فَيَقُولُ : بَلَى ، قَالَ : فَيَقُولُ : أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ ؟ فَيَقُولُ : لَا ، فَيَقُولُ : فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي . ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَقُولُ : أَيْ فُلْ ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ ، وَأُسَوِّدْكَ ، وَأُزَوِّجْكَ ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ ؟ فَيَقُولُ : بَلَى أَيْ رَبِّ ، فَيَقُولُ : أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ ؟ فَيَقُولُ : لَا ، فَيَقُولُ : فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي .
ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، آمَنْتُ بِكَ ، وَبِكِتَابِكَ ، وَبِرُسُلِكَ ، وَصَلَّيْتُ ، وَصُمْتُ ، وَتَصَدَّقْتُ ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ ، فَيَقُولُ : هَاهُنَا إِذًا ، قَالَ : ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ : انْطِقِي ، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( هَلْ نَرَى رَبَّنَا ) ؟ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ الرِّوَايَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَقُولُ : أَيْ فُلْ ) هُوَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ ، وَمَعْنَاهُ يَا فُلَانُ ، وَهُوَ تَرْخِيمٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ، وَقِيلَ : هِيَ لُغَةٌ بِمَعْنَى فُلَانٍ حَكَاهَا الْقَاضِي .
وَمَعْنَى ( أُسَوِّدْكَ ) أَجْعَلُكَ سَيِّدًا عَلَى غَيْرِكِ . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ ) أَمَّا ( تَرْأَسُ ) فَبِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، وَمَعْنَاهُ رَئِيسُ الْقَوْمِ وَكَبِيرُهُمْ . وَأَمَّا ( تَرْبَعُ ) فَبِفَتْحِ التَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ هَكَذَا رُوَاهُ الْجُمْهُورُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ ( تَرْتَعُ ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقُ بَعْدَ الرَّاءِ ، وَمَعْنَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ الَّذِي كَانَتْ مُلُوكُ الْجَاهِلِيَّةِ تَأْخُذُهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَهُوَ رُبْعُهَا ، يُقَالُ : رَبَعْتُهُمْ أَيْ أَخَذْتُ رُبْعَ أَمْوَالِهِمْ ، وَمَعْنَاهُ أَلَمْ أَجْعَلْكَ رَئِيسًا مُطَاعًا .
وَقَالَ الْقَاضِي بَعْدَ حِكَايَتِهِ : نَحْوَ مَا ذَكَرْتُهُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ تَرَكْتُكَ مُسْتَرِيحًا لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ مِنْ قَوْلِهِمْ : أَرْبِعْ عَلَى نَفْسِكِ أَيِ ارْفُقْ بِهَا . وَمَعْنَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ تَتَنَعَّمُ ، وَقِيلَ : تَأْكُلُ ، وَقِيلَ : تَلْهُو ، وَقِيلَ : تَعِيشُ فِي سَعَةٍ . ج١٨ / ص٤٠٣قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ) أَيْ أَمْنَعَكَ الرَّحْمَةَ كَمَا امْتَنَعْتَ مِنْ طَاعَتِي .
قَوْلُهُ : ( فَيَقُولُ : هَاهُنَا إِذًا ) مَعْنَاهُ قِفْ هَاهُنَا حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْكَ جَوَارِحُكَ إِذْ قَدْ صِرْتَ مُنْكِرًا .