بَاب حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ
[74] 3006 - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ، وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَالسِّيَاقُ لِهَارُونَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ ، مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ ، وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَا عَمِّ ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ ، قَالَ : أَجَلْ ، كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ ، فَسَلَّمْتُ ، فَقُلْتُ : ثَمَّ هُوَ ؟ قَالُوا : لَا ، فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَيْنَ أَبُوكَ ؟ قَالَ : سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي ، فَقُلْتُ : اخْرُجْ إِلَيَّ فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ ، فَخَرَجَ ، فَقُلْتُ : مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ اخْتَبَأْتَ مِنِّي ؟ قَالَ : أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ، ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا ، قَالَ : قُلْتُ : آللَّهِ ؟ قَالَ : اللَّهِ ، قُلْتُ : آللَّهِ ؟ قَالَ : اللَّهِ ، قُلْتُ : آللَّهِ ؟ قَالَ : اللَّهِ ، قَالَ : فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ ، فَقَالَ : إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي ، وَإِلَّا أَنْتَ فِي حِلٍّ ، فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ ، وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا ، وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ ، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا ، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ . 3007 قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ أَنَا : يَا عَمِّ ، لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ، فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ يَا ابْنَ أَخِي بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا ، وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ ، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ . وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
3008 ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْجِدِهِ ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ ، فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، فَقُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ ؟ قَالَ : فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا ، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا ، أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلُكَ فَيَرَانِي كَيْفَ أَصْنَعُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ . أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا ، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ ، فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً ، فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ ؟ قَالَ : فَخَشَعْنَا ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ ؟ قَالَ : فَخَشَعْنَا ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ ؟ قُلْنَا : لَا أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى ، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا ، ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، فَقَالَ : أَرُونِي عَبِيرًا ، فَقَامَ فَتًى مِنْ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ ، فَقَالَ جَابِرٌ : فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمْ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ . 3009 سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْتقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ ، فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ ، فَأَنَاخَهُ ، فَرَكِبَهُ ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ ، فَقَالَ لَهُ : شَأْ لَعَنَكَ اللَّهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ ؟ قَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : انْزِلْ عَنْهُ فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ ، لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ ، لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ .
3010 سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ عُشَيْشِيَةٌ وَدَنَوْنَا مَاءً مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ فَيَشْرَبُ وَيَسْقِينَا ؟ قَالَ جَابِرٌ : فَقُمْتُ ، فَقُلْتُ : هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ ؟ فَقَامَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْبِئْرِ ، فَنَزَعْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلًا أَوْ سَجْلَيْنِ ، ثُمَّ مَدَرْنَاهُ ، ثُمَّ نَزَعْنَا فِيهِ حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ ، فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَتَأْذَنَانِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ ، فَشَرِبَتْ شَنَقَ لَهَا فَشَجَتْ ، فَبَالَتْ ، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا ، فَأَنَاخَهَا ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحَوْضِ ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ، ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضَّإِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا ، فَلَمْ تَبْلُغْ لِي ، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ ، فَنَكَّسْتُهَا ، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا ، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ ، فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا ، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ ، فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ يَعْنِي شُدَّ وَسَطَكَ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا جَابِرُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ . 3011 سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً ، فَكَانَ يَمَصُّهَا ، ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ ، وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا ، وَنَأْكُلُ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا ، فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ ، فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيَهَا ، فَقَامَ فَأَخَذَهَا . 3012 سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِحْدَاهُمَا ، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا ، فَقَالَ : انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى ، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا ، فَقَالَ : انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا لَأَمَ بَيْنَهُمَا ، يَعْنِي جَمَعَهُمَا ، فَقَالَ : الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَالْتَأَمَتَا .
قَالَ جَابِرٌ : فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ : فَيَتَبَعَّدَ ، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلًا ، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدْ افْتَرَقَتَا ، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ وَقْفَةً فَقَالَ هَكَذَا ، وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا ، ثُمَّ أَقْبَلَ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَالَ : يَا جَابِرُ ، هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي ؟ قُلْتُ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا فَأَقْبِلْ بِهِمَا حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ ، وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ . قَالَ جَابِرٌ : فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ ، وَحَسَرْتُهُ ، فَانْذَلَقَ لِي ، فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ ، فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي ، ثُمَّ لَحِقْتُهُ ، فَقُلْتُ : قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَمَّ ذَاكَ ؟ قَالَ : إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ .
قَالَ : فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا جَابِرُ ، نَادِ بِوَضُوءٍ ، فَقُلْتُ : أَلَا وَضُوءَ ، أَلَا وَضُوءَ ، أَلَا وَضُوءَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءَ فِي أَشْجَابٍ لَهُ عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ . قَالَ : فَقَالَ لِيَ : انْطَلِقْ إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْأَنْصَارِيِّ فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَ : فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ ، فَنَظَرْتُ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا ، لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ . قَالَ : اذْهَبْ فَائتِنِي بِهِ ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ ، فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ ، وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ أَعْطَانِيهِ فَقَالَ : يَا جَابِرُ ، نَادِ بِجَفْنَةٍ ، فَقُلْتُ : يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ ، فَأُتِيتُ بِهَا تُحْمَلُ ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ هَكَذَا ، فَبَسَطَهَا وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ ، وَقَالَ : خُذْ يَا جَابِرُ فَصُبَّ عَلَيَّ ، وَقُلْ : بِاسْمِ اللَّهِ ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ ، وَقُلْتُ : بِاسْمِ اللَّهِ ، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَتفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ فَارَتْ الْجَفْنَةُ وَدَارَتْ حَتَّى امْتَلَأَتْ .
فَقَالَ : يَا جَابِرُ ، نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ ، قَالَ : فَأَتَى النَّاسُ فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا . قَالَ : فَقُلْتُ : هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنْ الْجَفْنَةِ وَهِيَ مَلْأَى . 3013 وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ ، فَقَالَ : عَسَى اللَّهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ ، فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ ، فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً ، فَأَلْقَى دَابَّةً ، فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ ، فَاطَّبَخْنَا وَاشْتَوَيْنَا وَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا .
قَالَ جَابِرٌ : فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا مَا يَرَانَا أَحَدٌ حَتَّى خَرَجْنَا ، فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَقَوَّسْنَاهُ ، ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ . ج١٨ / ص٤٢٢( 18 ) بَاب حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ وَقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ قَوْلُهُ : ( عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ زَايٍ ثُمَّ رَاءٍ ثُمَّ هَاءٍ . وَأَبُو الْيُسْرِ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالسِّينُ الْمُهْمَلَةِ ، وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ .
قَوْلُهُ : ( ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ ) هِيَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ رِزْمَةٌ يَضُمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ : ضِمَامَةٌ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ النُّسَخِ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا : صَوَابُهُ ( إِضْمَامَةٌ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ قَبْلَ الضَّادِ . قَالَ الْقَاضِي : وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي صِحَّةُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ هُنَا ، كَمَا قَالُوا : صِنَّارَةٌ وَإِصْنَارَةٌ لِجَمَاعَةِ الْكُتُبِ ، وَلِفَافَةٌ لِمَا يُلَفُّ فِيهِ الشَّيْءُ .
هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي . وَذَكَرَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ أَنَّ الضِّمَامَةَ لُغَةٌ فِي الْإِضْمَامَةِ ، وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ إِضْمَامَةٌ بِالْأَلِفِ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيُّ ) الْبُرْدَةُ شَمْلَةٌ مُخَطَّطَةٌ ، وَقِيلَ : كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ فِيهِ صِغَرٌ يَلْبَسُهُ الْأَعْرَابُ ، وَجَمْعُهُ الْبُرُدُ وَالْمَعَافِرِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ نَوْعٌ مِنَ الثِّيَابِ يُعْمَلُ بِقَرْيَةٍ تُسَمَّى مَعَافِرَ ، وَقِيلَ : هِيَ ج١٨ / ص٤٢٣نِسْبَةٌ إِلَى قَبِيلَةٍ نَزَلَتْ تِلْكَ الْقَرْيَةَ ، وَالْمِيمُ فِيهِ زَائِدَةٌ .
قَوْلُهُ : ( سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ ) هِيَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا ، لُغَتَانِ ، وَبِإِسْكَانِ الْفَاءِ ، أَيْ عَلَامَةٌ وَتَغَيُّرٌ . قَوْلُهُ : ( كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ ) قَالَ الْقَاضِي : رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ ( الْحَرَامِيِّ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِالرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى بَنِي حَرَامٍ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ مَعَ كَسْرِ الْحَاءِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاهَانَ ( الْجُذَامِيِّ ) بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ . قَوْلُهُ : ( ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ ) الْجَفْرُ هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغَ ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي قَوِيَ عَلَى الْأَكْلِ ، وَقِيلَ : ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ .
قَوْلُهُ : ( دَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي ) قَالَ ثَعْلَبٌ : هِيَ السَّرِيرُ الَّذِي فِي الْحَجْلَةِ ، وَلَا يَكُونُ السَّرِيرُ الْمُفْرَدُ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : كُلُّ مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَرِيكَةٌ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : آللَّهِ قَالَ : اللَّهِ ) الْأَوَّلُ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ ، وَالثَّانِي بِلَا مَدٍّ ، وَالْهَاءُ فِيهِمَا مَكْسُورَةٌ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ .
قَالَ الْقَاضِي : رُوِّينَاهُ بِكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا مَعًا . وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يُجِيزُونَ غَيْرَ كَسْرِهَا . ج١٨ / ص٤٢٤قَوْلُهُ : ( بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ ) هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَرَفْعِ الرَّاءِ ، وَبِإِسْكَانِ مِيمِ ( سَمْعُ ) ، وَرَفْعِ الْعَيْنِ .
هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ . وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ عَيْنَايَ هَاتَانِ ، وَسَمِعَ بِكَسْرِ الْمِيمِ أُذُنَايَ هَاتَانِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ : ( نِيَاطِ ) بِكَسْرِ النُّونِ ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِالْقَلْبِ .
قَوْلُهُ ( فَقُلْتُ لَهُ : يَا عَمِّ لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكِ ، وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ ، وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ : وَأَخَذْتَ بِالْوَاوِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَالرِّوَايَاتِ ، وَوَجْهُ الْكَلَامِ وَصَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ : أَوْ أَخَذْتَ ( بِأَوْ ) ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحَدِهِمَا بُرْدَتَانِ ، وَعَلَى الْآخِرِ مَعَافِرِيَّانِ . وَأَمَّا الْحُلَّةُ فَهِيَ ثَوْبَانِ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : لَا تَكُونُ إِلَّا ثَوْبَيْنِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَحِلُّ عَلَى الْآخِرِ ، وَقِيلَ : لَا تَكُونُ إِلَّا الثَّوْبَ الْجَدِيدَ الَّذِي يُحَلُّ مِنْ طَيِّهِ .
قَوْلُهُ : ( وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ ) أَيْ مُلْتَحِفًا اشْتِمَالًا لَيْسَ بِاشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مَعَ وُجُودِ الثِّيَابِ ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَوْبٍ عِنْدَ الْإِمْكَانِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ جَابِرٌ هَذَا لِلتَّعْلِيمِ كَمَا قَالَ . قَوْلُهُ : ( أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلُكَ ) الْمُرَادُ بِالْأَحْمَقِ هُنَا الْجَاهِلُ ، وَحَقِيقَةُ الْأَحْمَقِ مَنْ يَعْمَلُ مَا يَضُرُّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِقُبْحِهِ .
وَفِي هَذَا جَوَازُ مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ لِلتَّعْزِيرِ وَالتَّأْدِيبِ ، وَزَجْرُ الْمُتَعَلِّمِ وَتَنْبِيهُهُ ، وَلِأَنَّ لَفْظَةَ الْأَحْمَقِ وَالظَّالِمِ قَلَّ مَنْ يَنْفَكُّ مِنَ الِاتِّصَافِ بِهِمَا ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ هِيَ الَّتِي يُؤَدِّبُ بِهَا الْمُتَّقُونَ وَالْوَرِعُونَ مَنِ اسْتَحَقَّ التَّأْدِيبَ وَالتَّوْبِيخَ وَالْإِغْلَاظَ فِي الْقَوْلِ ; لِأَنَّ مَا يَقُولُهُ غَيْرُهُمْ مِنْ أَلْفَاظِ السَّفَهِ . قَوْلُهُ ( عُرْجُونُ ابْنُ طَابَ ) سَبَقَ شَرْحُهُ قَرِيبًا ، وَسَبَقَ أَيْضًا مَرَّاتٍ ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ ، وَالْعُرْجُونُ الْغُصْنُ . قَوْلُهُ : ( فَخَشَعْنَا ) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، كَذَا رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ بِالْجِيمِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَالْأَوَّلُ مِنَ الْخُشُوعِ ، وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ وَالسُّكُونُ ، وَأَيْضًا غَضُّ الْبَصَرِ ، وَأَيْضًا الْخَوْفُ .
وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ الْفَزَعُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : تَأْوِيلُ أَيِ الْجِهَةُ الَّتِي عَظَّمَهَا ، أَوِ الْكَعْبَةُ الَّتِي عَظَّمَهَا قِبَلَ وَجْهِهِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ ) أَيْ غَلَبَتْهُ بَصْقَةٌ أَوْ نُخَامَةٌ بَدَرَتْ مِنْهُ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرُونِي عَبِيرًا فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : ج١٨ / ص٤٢٥الْعَبِيرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الزَّعْفَرَانُ وَحْدَهُ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : هُوَ أَخْلَاطٌ مِنَ الطِّيبِ يجْمَعُ بِالزَّعْفَرَانِ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : وَلَا أَرَى الْقَوْلَ إِلَّا مَا قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ .
وَالْخَلُوقُ بِفَتْحِ الْخَاءِ هُوَ طِيبٌ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ يُجْمَعُ بِالزَّعْفَرَانِ ، وَهُوَ الْعَبِيرُ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَصْمَعِيِّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِإِحْضَارِ عَبِيرٍ ، فَأَحْضَرَ خَلُوقًا ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا . وَقَوْلُهُ : ( يَشْتَدُّ ) أَيْ يَسْعَى وَيَعْدُو عَدْوًا شَدِيدًا . فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ الْمَسَاجِدِ وَتَنْزِيهِهَا مِنَ الْأَوْسَاخِ وَنَحْوِهَا .
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَطْيِيبِهَا . وَفِيهِ إِزَالَةُ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ قَدَرَ ، وَتَقْبِيحُ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِاللِّسَانِ . قَوْلُهُ : ( فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ ) هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا ، وَالْوَاوُ مُخَفَّفَةٌ ، وَالطَّاءُ مُهْمَلَةٌ .
قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ بِالضَّمِّ ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَكَذَا قَيَّدَهُ الْبَكْرِيُّ ، وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ جُهَيْنَةَ . قَالَ : وَرَوَاهُ الْعُذْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِفَتْحِ الْبَاءِ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ سِرَاجٍ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو ) هُوَ بِالْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ ، هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عِنْدَنَا ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ عَامَّةِ الرُّوَاةِ وَالنُّسَخِ .
قَالَ : وَفِي بَعْضِهَا ( النَّجْدِيَّ ) بِالنُّونِ بَدَلُ الْمِيمِ . قَالَ : وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( النَّاضِحُ ) هُوَ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْعُقْبَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَهِيَ رُكُوبُ هَذَا نَوْبَةً ، وَهَذَا نَوْبَةً . قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : هِيَ رُكُوبُ مِقْدَارِ فَرْسَخَيْنِ . وَقَوْلُهُ : ( وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ ) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَكْثَرِهِمْ : ( يَعْقُبُهُ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ ، وَفِي بَعْضِهَا : ( يَعْتَقِبُهُ ) بِزِيَادَةِ تَاءٍ وَكَسْرِ الْقَافِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ .
يُقَالُ : عَقَبَهُ وَاعْتَقَبَهُ ، وَاعْتَقَبْنَا وَتَعَاقَبْنَا ، كُلُّهُ مِنْ هَذَا . قَوْلُهُ : ( فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ ) أَيْ تَلَكَّأَ وَتَوَقَّفَ . قَوْلُهُ : ( شَأْ لَعَنَكَ اللَّهُ ) هُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ، هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا ، وَذَكَرَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الرُّوَاةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَبَعْضُهُمْ بِالْمُهْمَلَةِ . قَالُوا : وَكِلَاهُمَا كَلِمَةُ زَجْرٍ لِلْبَعِيرِ ، يُقَالُ مِنْهُمَا شَأْشَأْتُ بِالْبَعِيرِ ، بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ إِذَا ج١٨ / ص٤٢٦زَجَرْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ شَأْ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَسَأْسَأْتُ بِالْحِمَارِ بِالْهَمْزِ أَيْ دَعَوْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ تُشُؤْتشؤ بِضَمِّ التَّاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابِّ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الْأَمْرِ بِمُفَارَقَةِ الْبَعِيرِ الَّذِي لَعَنَهُ صَاحِبُهُ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ عُشَيْشِيَةٌ ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِيهَا عَلَى التَّصْغِيرِ مُخَفَّفَةُ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ سَاكِنَةُ الْأُولَى . قَالَ سِيبَوَيْهِ : صَغَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ تَكْبِيرِهَا ، وَكَانَ أَصْلُهَا عَشِيَّةٌ ، فَأَبْدَلُوا مِنْ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ شِينًا .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ ) أَيْ يُطَيِّنُهُ وَيُصْلِحُهُ . قَوْلُهُ : ( فَنَزَعْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلًا ) أَيْ أَخَذْنَا وَجَبَذْنَا . وَالسَّجْلُ بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ الدَّلْوُ الْمَمْلُوءَةُ ، وَسَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِنَا ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنِ الْجُمْهُورِ . قَالَ : وَفِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ : أَصَفَقْنَاهُ بِالصَّادِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَمَعْنَاهُمَا مَلَأْنَاهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَأْذَنَانِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ) هَذَا تَعْلِيمٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ الْآدَابَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْوَرَعَ وَالِاحْتِيَاطَ وَالِاسْتِئْذَانَ فِي مِثْلِ هَذَا ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا رَاضِيَانِ ، وَقَدْ أَرْصَدَا ذَلِكَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ لِمَنْ بَعْدَهُ .
قَوْلُهُ : ( فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَتْ ، فَشَنَقَ لَهَا فَشَجَّتْ فَبَالَتْ ) مَعْنَى ( أَشْرَعَهَا ) أَرْسَلَ رَأْسَهَا فِي الْمَاءِ لِتَشْرَبَ ، وَيُقَالُ : شَنَقَهَا وَأَشْنَقَهَا أَيْ كَفَفْتَهَا بِزِمَامِهَا وَأَنْتَ رَاكِبُهَا . وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : هُوَ أَنْ تَجْذِبَ زِمَامَهَا حَتَّى تُقَارِبَ رَأْسَهَا قَادِمَةَ الرَّحْلِ . وَقَوْلُهُ : ( فَشَجَتْ ) بِفَاءٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَجِيمٍ مَفْتُوحَاتٍ الْجِيمُ مُخَفَّفَةٌ وَالْفَاءُ هُنَا أَصْلِيَّةٌ يُقَالُ : فَشَجَ الْبَعِيرُ إِذَا فَرَّجَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ لِلْبَوْلِ ، وَفَشَّجَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ أَشَدُّ مِنْ فَشَجَ بِالتَّخْفِيفِ .
قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ ضَبْطِهِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَوْجُودُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْغَرِيبِ ، وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ : فَشَجَّتْ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ ، وَتَكُونُ الْفَاءُ زَائِدَةً لِلْعَطْفِ . وَفَسَّرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي غَرِيبِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لَهُ قَالَ : مَعْنَاهُ قَطَعَتِ الشُّرْبَ مِنْ قَوْلِهِمْ : شَجَجْتُ الْمَفَازَةَ إِذَا قَطَعْتُهَا بِالسَّيْرِ . وَقَالَ الْقَاضِي : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ : ( فَثُجَّتْ ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْجِيمِ .
قَالَ : وَلَا مَعْنَى لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَلَا ج١٨ / ص٤٢٧لِرِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ . قَالَ : وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ اجْتِمَاعَ الشِّينِ وَالْجِيمِ ، وَادَّعَى أَنَّ صَوَابَهُ ( فَشَحَتْ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ : شَحَا فَاهُ إِذَا فَتَحَهُ ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى تَفَاجَّتْ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ عَامَّةِ النُّسَخِ . وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ أَيْضًا صَحِيحٌ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحَوْضِ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي شَرِبَتْ مِنْهُ الْإِبِلُ وَنَحْوُهَا مِنَ الْحَيَوَانِ الطَّاهِرِ ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ دُونَ قُلَّتَيْنِ ، وَهَكَذَا مَذْهَبُنَا . قَوْلُهُ : ( لَهَا ذَبَاذِبُ ) أَيْ أَهْدَابٌ وَأَطْرَافٌ ، وَاحِدُهَا ذِبْذِبٌ بِكَسْرِ الذَّالَيْنِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَتَذَبْذَبُ عَلَى صَاحِبِهَا إِذَا مَشَى ، أَيْ تَتَحَرَّكُ وَتَضْطَرِبُ .
قَوْلُهُ : ( فَنَكَّسْتُهَا ) بِتَخْفِيفِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِهَا . قَوْلُهُ : ( تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا ) أَيْ أَمْسَكْتُ عَلَيْهَا بِعُنُقِي وَخَبَنْتُهُ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَسْقُطَ . قَوْلُهُ : ( قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذَ بِيَدَيَّ ، فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ .
إِلَى آخِرِهِ ) هَذَا فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا جَوَازُ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ كُرِهَ . وَمِنْهَا أَنَّ الْمَأْمُومَ الْوَاحِدَ يَقِفُ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى يَسَارِهِ حَوَّلَهُ الْإِمَامُ . وَمِنْهَا أَنَّ الْمَأْمُومَيْنِ يُكَوِّنَانِ صَفًّا وَرَاءَ الْإِمَامِ كَمَا لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ ، هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ وَصَاحِبَيْهِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يَقِفُ الِاثْنَانِ عَنْ جَانِبَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( يَرْمُقُنِي ) أَيْ يَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرًا مُتَتَابِعًا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا ، وَهُوَ مَعْقِدُ الْإِزَارِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَنْ يَبْلُغَ السُّرَّةَ . وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، وَأَنَّهُ إِذَا شَدَّ الْمِئْزَرَ ، وَصَلَّى فِيهِ وَهُوَ سَاتِرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَوْرَتُهُ تُرَى مِنْ أَسْفَلِهِ لَوْ كَانَ عَلَى سَطْحٍ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَضُرُّهُ .
ج١٨ / ص٤٢٨قَوْلُهُ : ( وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً فَكَانَ يَمَصُّهَا ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَحُكِي ضَمُّهَا ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ . وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا ) الْقِسِيُّ جَمْعُ قَوْسٍ ، وَمَعْنَى نَخْتَبِطُ نَضْرِبُ الشَّجَرَ لِيَتَحَاتَّ وَرِقُهُ فَنَأْكُلُهُ .
وقوله : ( وَقَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا ) أَيْ تَجَرَّحَتْ مِنْ خُشُونَةِ الْوَرِقِ وَحَرَارَتِهِ . قَوْلُهُ : ( فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ فَشَهِدْنَا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيهَا ) مَعْنَى أُقْسِمُ أَحْلِفُ . وَقَوْلُهُ : ( أُخْطِئَهَا ) أَيْ فَاتَتْهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لِلتَّمْرِ قَاسِمٌ يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ فَيُعْطِي كُلَّ إِنْسَانٍ تَمْرَةً كُلَّ يَوْمٍ ، فَقَسَمَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَنَسِيَ إِنْسَانًا فَلَمْ يُعْطِهِ تَمْرَتَهُ ، وَظَنَّ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ، فَتَنَازَعَا فِي ذَلِكَ ، وَشَهِدْنَا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيهَا بَعْدَ الشَّهَادَةِ .
وَمَعْنَى ( نَنْعَشُهُ ) نَرْفَعُهُ وَنُقِيمُهُ مِنْ شِدَّةِ الضَّعْفِ وَالْجَهْدِ . وَقَالَ الْقَاضِي : الْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ نَشُدُّ جَانِبَهُ فِي دَعْوَاهُ ، وَنَشْهَدُ لَهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ .
وَفِيهِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّفْيِ فِي الْمَحْصُورِ الَّذِي يُحَاطُ بِهِ . ج١٨ / ص٤٢٩قَوْلُهُ : ( نَزَلْنَا وَادِيًا أَفَيْحَ ) هُوَ بِالْفَاءِ أَيْ وَاسِعًا ، وَشَاطِئُ الْوَادِي جَانِبُهُ . قَوْلُهُ ( فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ ) هُوَ بِالْخَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ، وَهُوَ الَّذِي يُجْعَلُ فِي أَنْفِهِ خِشَخشٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ ، وَهُوَ عُودٌ يُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ إِذَا كَانَ صَعْبًا ، وَيُشَدُّ فِيهِ حَبْلٌ لِيَذِلَّ وَيَنْقَادَ ، وَقَدْ يَتَمَانَعُ لِصُعُوبَتِهِ ، فَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَآلَمَهُ انْقَادَ شَيْئًا وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ .
وَفِي هَذَا هَذِهِ الْمُعْجِزَاتُ الظَّاهِرَاتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا لَأَمَ بَيْنَهُمَا ) أَمَّا ( الْمَنْصَفُ ) فَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ ، وَهُوَ نِصْفُ الْمَسَافَةِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِفَتْحِهِ الْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ . ج١٨ / ص٤٣٠وَقَوْلُهُ : ( لَأَمَ ) بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَمَمْدُودَةٍ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، أَيْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا .
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ( أَلَامَ ) بِالْأَلِفِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ . قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : هُوَ تَصْحِيفٌ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَعْدُو وَأَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا .
قَوْلُهُ : ( فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ ) اللَّفْتَةُ النَّظْرَةُ إِلَى جَانِبٍ ، وَهِيَ بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ : ( فَحَالَتْ ) بِاللَّامِ ، وَالْمَشْهُورُ بِالنُّونِ ، وَهُمَا بِمَعْنًى ، فَالْحِينُ وَالْحَالُ الْوَقْتُ ، أَيْ وَقَعَتْ وَاتَّفَقَتْ وَكَانَتْ . قَوْلُهُ : ( وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( ابْنُ إِسْمَاعِيلَ ) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، هُوَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ . قَوْلُهُ : ( فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ فَانْذَلَقَ ، فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ ، فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا ) فَقَوْلُهُ : ( فَحَسَرْتُهُ ) بِحَاءٍ وَسِينٍ مُهْمَلَتَيْنِ وَالسِّينُ مُخَفَّفَةٌ أَيْ أَحْدَدْتُهُ وَنَحَّيْتُ عَنْهُ مَا يَمْنَعُ حِدَّتَهُ بِحَيْثُ صَارَ مِمَّا يُمْكِنُ قَطْعِي الْأَغْصَانَ بِهِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( فَانْذَلَقَ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ صَارَ حَادًّا .
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ : الضَّمِيرُ فِي ( حَسَرْتُهُ ) عَائِدٌ عَلَى الْغُصْنِ أَيْ حَسَرْتُ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ ، أَيْ قَشَّرْتُهُ بِالْحَجَرِ . وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا عَلَى الْهَرَوِيِّ وَمُتَابَعِيهِ ، وَقَالَ : سِيَاقُ الْكَلَامِ يَأْبَى هَذَا ; لِأَنَّهُ حَسَرَهُ ، ثُمَّ أَتَى الشَّجَرَةَ ، فَقَطَعَ الْغُصْنَيْنِ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي لَفْظِهِ ، وَلِأَنَّهُ قَالَ : فَحَسَرْتُهُ فَانْذَلَقَ ، وَاَلَّذِي يُوصَفُ بِالِانْذِلَاقِ الْحَجَرُ لَا الْغُصْنُ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ إِنَّمَا حَسَرَ الْحَجَرَ ، وَبِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ . وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ : ( فَحَسَرْتُهُ ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ، وَفِي كِتَابِ الْخَطَّابِيِّ وَالْهَرَوِيِّ وَجَمِيعِ كُتُبِ الْغَرِيبِ ، وَادَّعَى الْقَاضِي رِوَايَتَهُ عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِهِمْ لِهَذَا الْحَرْفِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَصَحُّ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُرَفَّهُ عَنْهُمَا ) أَيْ يُخَفَّفُ . ج١٨ / ص٤٣١قَوْلُهُ : ( وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُبَرِّدُ الْمَاءَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْجَابٍ لَهُ عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ ) أَمَّا ( الْأَشْجَابُ ) هُنَا فَجَمْعُ ( شَجْبٍ ) بِإِسْكَانِ الْجِيمِ ، وَهُوَ السِّقَاءُ الَّذِي قَدْ أُخْلِقَ وَبَلِيَ وَصَارَ شَنًّا .
يُقَالُ : شَاجِبٌ أَيْ يَابِسٌ ، وَهُوَ مِنَ الشَّجْبِ الَّذِي هُوَ الْهَلَاكُ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( قَامَ إِلَى شَجْبٍ فَصَبَّ مِنْهُ الْمَاءَ ، وَتَوَضَّأَ ) . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ ) وَأَمَّا قَوْلُ الْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَشْجَابِ هُنَا الْأَعْوَادُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَيْهَا الْقِرْبَةُ فَغَلَطٌ ; لِقَوْلِهِ : ( يُبَرِّدُ فِيهَا عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ ) . وَأَمَّا ( الْحِمَارَةُ ) فَبِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَهِيَ أَعْوَادٌ تُعَلَّقُ عَلَيْهَا أَسْقِيَةُ الْمَاءِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ ( حِمَارٌ ) بِحَذْفِ الْهَاءِ ، وَرِوَايَةُ الْجُمْهُورِ ( حِمَارَة ) بِالْهَاءِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُمَا مَا ذَكَرْنَا . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا قَطْرَةً فِي عَزْلَاءِ شَجْبٍ مِنْهَا لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ شَرِبَهُ يَابِسُهُ ) قَوْلُهُ : ( قَطْرَةٌ ) أَيْ يَسِيرًا . وَ ( الْعَزْلَاءُ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِإِسْكَانِ الزَّايِ وَبِالْمَدِّ وَهِيَ فَمُ الْقِرْبَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( شَرِبَهُ يَابِسُهُ ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَلِيلٌ جِدًّا ، فَلِقِلَّتِهِ مَعَ شِدَّةِ يُبْسِ بَاقِي الشَّجْبِ ، وَهُوَ السِّقَاءُ ، لَوْ أَفْرَغْتُهُ لَاشْتَفَّهُ الْيَابِسُ مِنْهُ ، وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ شَيْءٌ . قَوْلُهُ : ( وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : ( بِيَدِهِ ) ، أَيْ يَعْصِرُهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَادِ بِجَفْنَةٍ فَقُلْتُ : يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ ، فَأَتَيْتُ بِهَا ) أَيْ يَا صَاحِبَ جَفْنَةِ الرَّكْبِ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ الْمُرَادُ ، وَأَنَّ الْجَفْنَةَ لَا تُنَادَى ، وَمَعْنَاهُ يَا صَاحِبَ جَفْنَةِ الرَّكْبِ الَّتِي تُشْبِعُهُمْ أَحْضِرْهَا ، أَيْ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ جَفْنَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلْيُحْضِرْهَا ، وَالْجَفْنَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ .
ج١٨ / ص٤٣٢قَوْلُهُ : ( فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ ، فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً ، فَأَلْقَى دَابَّةً ، فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ ) سِيفُ الْبَحْرِ بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ هُوَ سَاحِلُهُ ، وَزَخَرَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ عَلَا مَوْجُهُ ، وَأَوْرَيْنَا أَوْقَدْنَا . قَوْلُهُ : ( حِجَاجُ عَيْنِهَا ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا ، وَهُوَ عَظْمُهَا الْمُسْتَدِيرُ بِهَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ ) ( الْكِفْلُ ) هُنَا بِكَسْرِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ قَالَ الْجُمْهُورُ : وَالْمُرَادُ بِالْكِفْلِ هُنَا الْكِسَاءُ الَّذِي يَحْوِيهِ رَاكِبُ الْبَعِيرِ عَلَى سَنَامِهِ لِئَلَّا يَسْقُطَ ، فَيَحْفَظُ الكِفلُ الرَّاكِبَ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ قَوْلِهِ تَعَالَى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ أَيْ نَصِيبَيْنِ يَحْفَظَانِكُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ ، كَمَا يَحْفَظُ الْكِفْلُ الرَّاكِبَ .
يُقَالُ مِنْهُ : تَكَفَّلْتَ الْبَعِيرَ ، وَأَكْفَلْتُهُ ، إِذَا أَدَرْتُ ذَلِكَ الْكِسَاءَ حَوْلَ سَنَامِهِ ثُمَّ رَكِبْتَهُ . وَهَذَا الْكِسَاءُ كِفْلٌ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَضَبَطَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْفَاءِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( بِأَعْظَمِ رَجُلٍ ) فَهُوَ بِالْجِيمِ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْحَاءِ ، وَكَذَا وَقَعَ لِرُوَاةِ الْبُخَارِيِّ بِالْوَجْهَيْنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .