بَاب في الِاسْتِبْرَاءِ
بَابُ في الِاسْتِبْرَاءِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئُ قَالَا : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى التَّوْأَمُ ( ح ) وَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ أَنَا أَبُو يَعْقُوبَ التَّوْأَمُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : بَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا عُمَرُ ؟ فَقَالَ : هَذَا مَاءٌ تَتَوَضَّأُ بِهِ . قَالَ : مَا أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً بَابٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ هُوَ أَنْ يَمْكُثَ وَيَنْتُرَ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ شَيْءٌ مِنَ الْبَوْلِ ، كَذَا فِي حُجَّةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ لِلشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ وَلِيِّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيِّ . وَحَاصِلُ مَعْنَى الِاسْتِبْرَاءِ الِاسْتِنْقَاءُ مِنَ الْبَوْلِ وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا .
وَهَلِ الِاسْتِنْقَاءُ - أَيِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ - ضَرُورِيٌّ أَوْ يَكْفِي الْمَسْحُ بِالْحِجَارَةِ ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا ضَرُورِيًّا . فَإِنْ قُلْتَ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَلِمَ كَرَّرَ التَّرْجَمَةَ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ أَوَّلًا بَابَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ ، وَثَانِيًا بَابَ الِاسْتِبْرَاءِ . قُلْتُ : أَوْرَدَ فِي التَّرْجَمَةِ الْأُولَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُبَاعَدَةُ عَنِ النَّجَاسَةِ وَالتَّوَقِّي عَنْهَا ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْمُرَادُ بِالتَّرْجَمَةِ الثَّانِيَةِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحِجَارَةِ ، لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ .
( الْمُقْرَئِيُّ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَهَمْزَةٍ ثُمَّ يَاءٍ ، نُسِبَ إِلَى مُقْرَأٍ قَرْيَةٌ بِدِمَشْقَ ( حَ ) هُوَ عَلَامَةُ التَّحْوِيلِ ، أَيِ الرُّجُوعُ مِنْ سَنَدٍ إِلَى سند آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ الرُّجُوعُ مِنْ أَوَّلِ السَّنَدِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ ( أَبُو يَعْقُوبَ التَّوْأَمُ ) : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْمُتَقَدِّمُ ( بِكُوزٍ ) : الْكُوزُ بِالضَّمِّ جَمْعُهُ كِيزَانٌ وَأَكْوَازٌ وَهُوَ مَا لَهُ عُرْوَةٌ مِنْ أَوَانِي الشُّرْبِ وَمَا لَا عُرْوَةَ لَهُ فَهُوَ كُوبٌ وَجَمْعُهُ أَكْوَابٌ ( مَا هَذَا يَا عُمَرُ ) : أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى قِيَامِكَ خَلْفِي وَلِمَ جِئْتَنِي بِمَاءٍ ( تَتَوَضَّأُ بِهِ ) أَيْ تَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ بَعْدَ الْبَوْلِ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ ، وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلِذَا أَوْرَدَهُ فِي بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ ( مَا أُمِرْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( كُلَّمَا بُلْتُ ) : صِيغَةُ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْبَوْلِ ( أَنْ أَتَوَضَّأَ ) : بَعْدَ الْبَوْلِ أَوْ أَسْتَنْجِيَ بَعْدَهُ بِالْمَاءِ ، وَكَانَ قَدْ يترك مَا هُوَ أَوْلَى وَأَفْضَلُ تَخْفِيفًا عَلَى الْأُمَّةِ وَإِبْقَاءً وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ ( لَكَانَتْ ) : فَعْلَتِي ( سُنَّةً ) : أَيْ طَرِيقَةً وَاجِبَةً لَازِمَةً لِأُمَّتِي ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ التَّرَخُّصُ بِاسْتِعْمَالِ الْحَجَرِ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ قَالَ عَبْدُ الرَّءُوفِ الْمُنَاوِيُّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ : وَمَا ذَكَرَ مِنْ حَمْلِهِ الْوُضُوءَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ هُوَ مَا فَهِمَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَبَوَّبُوا عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ بِلَا ضَرُورَةٍ ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ وَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ حَمْلُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ الْمَعْهُودِ ، فَأَرَادَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِبَ الْحَدَثِ ، فَتَرَكَهُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْفِيفًا وَبَيَانًا لِلْجَوَازِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .