بَاب مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، قال : أَنَا عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عَنْ عَاصِمٍ ( قُلَّتَيْنِ ) : وَالْمُرَادُ مِنَ الْقِلَالِ قِلَالُ هَجَرَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهَا فِي أَشْعَارِهِمْ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ ، وَكَذَلِكَ وَرَدَ التَّقَيّيدُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ : قِلَالُ هَجَرَ كَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَلِشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْ نَبْقِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى بِقِلَالِ هَجَرَ ، فَقَالَ : مِثْلُ آذَانِ الْفِيلَةِ وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ . وَاعْتِذَارُ الطَّحَاوِيِّ فِي تَرْكِ الْحَدِيثِ أَصْلًا بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَكُونُ عُذْرًا عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ .
انْتَهَى . ( فَإِنَّهُ ) : أَيِ الْمَاءَ ( لَا يَنْجَسُ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ الْخَبَثَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَقَالَ : هَذَا جَيِّدُ الْإِسْنَادِ ، فَقِيلَ لَهُ : فَإِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ لَمْ يَرْفَعْهُ ، قَالَ يَحْيَى : وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، فَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْصُولٌ . انْتَهَى .
( حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عَنْ عَاصِمٍ ) : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ : خَالَفَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فَرَوَاهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا غَيْرَ مَرْفُوعٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا أَيْضًا . انْتَهَى . وَقَدْ سَلَفَ آنِفًا مَا يُجَابُ عَنْ هَذَا .
وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْمُولٌ بِهِ . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : جَيِّدُ الْإِسْنَادِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْصُولٌ ، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : قَالَ أَبُو عِيسَى وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالُوا : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ ، وَقَالُوا : يَكُونُ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ . وَفِي الْمُحَلَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ كَثِيرٌ لَا يُنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، مِنْهُمُ ابْنُ خُزَيْمَةَ انْتَهَى .
وَأَمَّا الْجَرْحُ فِي حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أبي إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا ، فَلَا يُقْبَلُ جَرْحُهُمْ إِلَّا بِبَيَانٍ وَاضِحٍ وَحُجَّةٍ بَالِغَةٍ . وَقَدْ حَقَّقَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْأَجَلُّ الْأَكْمَلُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ نَذِيرُ حُسَيْنٌ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ هَذَا الْمَبْحَثَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ انْدَفَعَ مَا قَالَ بَعْضُ قَاصِرِي الْأَنْظَارِ الْمَعْذُورِينَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي عَلَى بَعْضِ الْكُتُبِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ فَلَا يُدَافِعُهُ تَصْحِيحُ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ لَهُ من ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ . وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ بَعْدَ التَّأَمُّلِ الصَّادِقِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ فَرْعٌ لِوُجُودِ الْجَرْحِ ، وَقَدْ نَفَيْنَاهُ لِعَدَمِ وُجُودِ وَجْهِهِ وَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ، فَأَيْنَ الْمُقَدَّمُ وَأَيْنَ التَّقْدِيمُ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ وَجْهَ الِاضْطِرَابِ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ وَالْمعنَى فَقَدْ نَفَيْنَا الِاضْطِرَابَ فِي الْإِسْنَادِ وَسَنَنْفِي الْأَخِيرَيْنِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحِبُّ اللَّهِ الْبَهَارِيُّ فِي الْمُسلَّمِ : إِذَا تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ فَالتَّقْدِيمُ لِلْجَرْحِ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : بَلْ لِلتَّعْدِيلِ عِنْدَ زِيَادَةِ الْمُعَدِّلِينَ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِذَا أُطْلِقَا أَوْ عَيَّنَ الْجَارِحُ شَيْئًا لَمْ يَنْفِهِ الْمُعَدِّلُ أَوْ نَفَاهُ لَا بِيَقِينٍ ، وَأَمَّا إِذَا نَفَاهُ يَقِينًا فَالْمَصِيرُ إِلَى التَّرْجِيحِ اتِّفَاقًا . وَقَالَ الْعَلَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ النُّخْبَةِ : نَعَمْ إِنْ عَيَّنَ سَبَبًا نَفَاهُ الْمُعَدِّلُ بِطَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ فَإِنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ . انْتَهَى .
فَثَبَتَ صُلُوحُ مُعَارَضَةِ الْجَرْحِ لِلتَّعْدِيلِ ثُمَّ التَّرْجِيحُ لِلتَّعْدِيلِ لِجَوْدَةِ الْأَسَانِيدِ مِنْ حَيْثُ ثِقَاتِ الرُّوَاةِ . انْتَهَى كَلَامُهُ .