بَاب مَا جَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيَّانِ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَلِيطِ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْعَدَوِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ : إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِيرِ بُضَاعَةَ ، وَهِيَ بِيرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَالْمَحَائضُ وَعَذِرُ النَّاسِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ : سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا قَالَ : أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ . قُلْتُ : فَإِذَا نَقَصَ .
قَالَ : دُونَ الْعَوْرَةِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَدَّرْتُ أَنَا بِيْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : لَا . وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ .
( الْحَرَّانِيَّانِ ) : أَيْ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ كِلَاهُمَا الْحَرَّانِيَّانِ ، وَهُوَ بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ نِسْبَةٌ إِلَى حَرَّانَ : مَدِينَةٌ بِالْجَزِيرَةِ ( سَلَمَةَ ) : بِفَتْحِ اللَّامِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : سَلَمَةُ كُلُّهُ بِفَتْحِ اللَّامِ إِلَّا عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ إِمَامَ قَوْمِهِ ، وَبَنِي سَلِمَةَ : الْقَبِيلَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَبِكَسْرِهَا . انتهى .
( عَنْ سَلِيطٍ ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ : هُوَ ابْنُ أَيُّوبَ بْنِ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعَنْهُ خَالِدُ بْنُ أَيُّوبَ ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ( الْعَدَوِيِّ ) : بِالْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى عَدِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَهَذَا ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَهُوَ صِفَةٌ الِرَافِعٍ ( وَهُوَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ ( إِنَّهُ ) : ضَمِيرُ الشَّأْنِ أَوِ الْمَاءُ الَّذِي يُفْهَمُ مِنَ السِّيَاقِ ( يُسْتَقَى لَكَ ) : بِصِيغَةِ للْمَجْهُولِ ، أَيْ يُخْرَجُ لَكَ الْمَاءُ ( وَهِيَ ) : أَيْ بِئْرُ بُضَاعَةَ ( وَالْمَحَائِضُ ) : عَطْفٌ عَلَى اللُّحُومِ ، قِيلَ : هُوَ جَمْعُ الْمَحِيضِ وَهُوَ مَصْدَرُ حَاضَ ، وَيَقَعُ الْمحَيْضُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالدَّمِ ( وَعَذِرُ النَّاسِ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ عَذِرَةٍ كَكَلِمَةٍ وَكَلِمٍ ، وَهِيَ الْغَائِطُ . قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْهُمْ عَادَةً ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ هَذَا الْفِعْلَ قَصْدًا وَتَعَمُّدًا ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِذِمِّيٍّ بَلْ بِوَثَنِيٍّ فَضْلًا عَنْ مُسْلِمٍ ، فَلَمْ يَزَلْ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ ، تَنْزِيهُ الْمِيَاهِ وَصَوْنُهَا عَنِ النَّجَاسَاتِ ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَهُمْ أَعْلَى طَبَقَاتِ أَهْلِ الدِّينِ وَأَفْضَلُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَاءُ بِبِلَادِهِمْ أَعَزُّ وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ أَمَسُّ ، أَنْ يَكُونَ هَذَا صُنْعُهُمْ بِالْمَاءِ ، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَغَوَّطَ فِي مَوَارِدِ الْمَاءِ وَمَشَارِعِهِ ، فَكَيْفَ مَنِ اتَّخَذَ عُيُونَ الْمَاءِ وَمَنَابِعَهُ رَصَدًا لِلْأَنْجَاسِ وَمَطْرَحًا لِلْأَقْذَارِ ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا الظَّنُّ وَلَا يَلِيقُ بِهِمْ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذَا الْبِئْرَ مَوْضِعُهَا فِي حُدُورٍ مِنَ الْأَرْضِ ، وَأَنَّ السُّيُولَ كَانَتْ تَكْشَحُ هَذِهِ الْأَقْذَارَ مِنَ الطُّرُقِ وَالْأَفْنِيَةِ وَتَحْمِلُهَا وَتُلْقِيهَا فِيهَا ، وَكَانَ لِكَثْرَتِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَلَا تُغَيِّرُهُ ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَأْنِهَا لِيَعْلَمُوا حُكْمَهَا فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ ( إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ) : قَالَ فِي التَّوَسُّطِ : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ تَنَجُّسِهِ إِلَّا بِالْمُغَيَّرِ ، وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَتْ طَرِيقًا إِلَى الْبَسَاتِينِ فَهُوَ كَالنَّهَرِ ، وَحَكَاهُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، وَضُعِّفَ بِأَنَّ الْوَاقِدِيَّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَمُكَذِّبٌ لَهُ وَتَارِكٌ وَمُضَعِّفٌ وَقِيلَ كَذَّابٌ احْتَالَ فِي إِبْطَالِ الْحَدِيثِ نُصْرَةً لِلرَّأْيِ ، فَإِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ مَشْهُورٌ فِي الْحُجَّاجِ ، بِخِلَافِ مَا حُكِيَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، وَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَأُمِرَ بِنزحِ الْمَاءِ ، ضَعَّفَهَا الْبَيْهَقِيُّ ، وَرَوَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : أَنَا بِمَكَّةَ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ أَرَ أَحَدًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا يَعْرِفُ حَدِيثَ الزِّنْجِيِّ . وَحَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ هَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ ، إِذْ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يُوَافِقُ الْآخَرَ وَلَا يُنَاقِضُهُ ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ وَيُبَيِّنُهُ وَلَا يَنْسَخُهُ وَلَا يُبْطِلُهُ .
قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . ( قَيِّمَ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ ، أَيْ مَنْ كَانَ يَقُومُ بِأَمْرِ الْبِئْرِ وَيُحَافِظُهَا ( الْعَانَةِ ) : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هِيَ مَوْضِعُ مَنْبِتِ الشَّعْرِ فَوْقَ قُبُلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ( فَإِذَا نَقَصَ ) : مَاؤُهَا فَمَا يَكُونُ مِقْدَارُ الْمَاءِ ( دُونَ الْعَوْرَةِ ) : قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ عَوْرَةُ الرَّجُلِ ، أَيْ دُونَ الرُّكْبَةِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ ( بِرِدَائِي ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَدَّرْتُ ( مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ) : أَيْ بَسَطْتُ رِدَائِي عَلَى الْبِئْرِ وَهَذِهِ كَيْفِيَّةُ تَقْدِيرِهَا ، وَلَمْ يَسْهُلْ تَقْدِيرُهَا إِلَّا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ ( ثُمَّ ذَرَعْتُهُ ) : أَيْ رِدَائِي بَعْدَ مَدِّهِ ( فَإِذَا عَرْضُهَا ) : أَيْ بِئْرُ بُضَاعَةَ ( سِتَّةُ أَذْرُعٍ ) : جَمْعُ ذِرَاعٍ وَهُوَ مِنَ الْمَرْفِقِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ( سَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ ) : وَكَانَتِ الْبِئْرُ فِي ذَلِكَ الْبُسْتَانِ ( هَلْ غُيِّرَ ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( بِنَاؤُهَا ) : أَيْ بِئْرُ بُضَاعَةَ ( عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ ) : الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى مَا الْمَوْصُولَةِ ، وَالْمُرَادُ مِنْ مَا الْحَالَةُ وَالْعِمَارَةُ الَّتِي كَانَتِ الْبِئْرُ عَلَيْهَا ، وَجُمْلَةُ هَلْ غُيِّرَ مَعَ مُتَعَلِّقِهَا الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِسَأَلْتُ ( قَالَ ) : مُحَافِظُهَا ( لَا ) : أَيْ لَمْ يُغَيَّرْ بِنَاؤُهَا .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ( وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : يَعْنِي بِطُولِ الْمُكْثِ وَأَصْلِ الْمَنْبَعِ لَا بِوُقُوعِ شَيْءٍ أَجْنَبِيٍّ فِيهِ . انْتَهَى . وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَ لَهُ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا فَهُوَ نَجَسٌ .
أَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَلْخِيصِ الْحَبِيرِ : أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ جَوَّدَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ ، وَزَادَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ : وَالْحَاكِمُ وَآخَرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَمْ نَرَ ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ لَهُ وَلَا فِي السُّنَنِ .
قُلْتُ : وَقَالَ فِي كَشْفِ الْمَنَاهِجِ : وَقَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ - هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّارَقُطْنِيِّ . انْتَهَى .