بَاب إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ
بَابُ إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أبي خَلَفٍ قَالَا : ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ : شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : لَا يَنْفَتِلْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا بَابُ إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ عَلَى وَزْنِ سَبَبٍ ، وَهُوَ حَالَةٌ مُنَاقِضَةٌ لِلطَّهَارَةِ شَرْعًا ، وَالْجَمْعُ الْأَحْدَاثُ مِثْلُ : سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ . ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ) قَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ : وَعَنْ عَبَّادٍ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ . ثُمَّ إِنَّ شَيْخَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِيهِ احْتِمَالَانِ ؛ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَمَّ عَبَّادٍ كَأَنَّهُ قَالَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمِّهِ أَيْ عَمِّ الثَّانِي وَهُوَ عَبَّادٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا وَيَكُونَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ .
وَعَلَى الْأَوَّلِ جَرَى صَاحِبُ الْأَطْرَافِ ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّهُ مُنْكَرٌ . ( شُكِيَ ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : شُكِيَ ؛ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، وَالرَّجُلُ مَرْفُوعٌ ، وَلَا يُتَوَهَّمٌ أَنَّهُ شَكَي مَفْتُوحَةَ الشِّينِ وَالْكَافِ وَيُجْعَلُ الشَّاكِي هُوَ عَمُّهُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّ هَذَا الْوَهْمَ غَلَطٌ ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ شَكَا بِالْأَلِفِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرَّاوِي هُوَ الشَّاكِي ، وَهَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ سُفْيَانَ وَلَفْظُهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ . وَمَعْنَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ هَذَا الْوَهْمَ غَلَطٌ أَيْ ضَبْطُ لَفْظِ شُكِيَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِالْأَلِفِ قِيَاسًا عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَهْمٌ ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ أَنَّهُ شَكَا وَلَيْسَ هَذِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ .
( الرَّجُلُ ) مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَعَلَى رِوَايَةِ شَكَا بِالْأَلِفِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ . ( يَجِدُ الشَّيْءَ ) ؛ أَيِ الْحَدَثَ خَارِجًا مِنْ دُبُرِهِ ، وَفِيهِ الْعُدُولُ عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ الْمُسْتَقْذَرِ بِخَاصِّ اسْمِهِ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ . ( حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ؛ أَيْ يُشَبَّهُ لَهُ أَنَّهُ خَرَجَ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ أَوِ الصَّوْتِ .
( لَا يَنْفَتِلُ ) بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّ لَا نَافِيَةٌ والِانْفِتَالُ الِانْصِرَافُ . ( صَوْتًا ) مِنْ دُبُرِهِ ( أَوْ يَجِدَ رِيحًا ) مِنْهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ يَعْلَمُ وُجُودَ أَحَدِهِمَا وَلَا يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ وَالشَّمُّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَقَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ ، وَهِيَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ يُحْكَمُ بِبَقَائِهَا عَلَى أُصُولِهَا حَتَّى يُتَيَقَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ الشَّكُّ الطَّارِئُ عَلَيْهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْبَابِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيثُ ؛ وَهِيَ أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ حُكِمَ بِبَقَائِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُصُولِ هَذَا الشَّكِّ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَحُصُولِهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، انْتَهَى .
فَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ عَمِلَ بِيَقِينِ الطَّهَارَةِ ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ عَمِلَ بِيَقِينِ الْحَدَثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .