بَاب الْوُضُوءِ مِنْ الدَّمِ
بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ الدَّمِ حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، قال : ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قال : حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا أَنْتَهِيَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلًا فَقَالَ : مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا ؟ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ قَالَ : فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي ، وَأَتَى الرَّجُلُ ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ ، فَنَزَعَهُ ، حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ، ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ ، فَلَمَّا عَرِفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ ، فلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنْ الدَّمِاء قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ أَلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى ؟ قَالَ : كُنْتَ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ أَيْ : هَلْ يَكُونُ الْوُضُوءُ مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ سَائِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ وَاجِبًا أَمْ لَا ؟ فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ . ( عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ : فِيهِ جَهَالَةٌ ، مَا رَوَى عَنْهُ سِوَى صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ .
وَقَالَ الْحَافِظُ : لَا أَعْرِفُ رَاوِيًا عَنْهُ غَيْرَ صَدَقَةَ . انْتَهَى . لَكِنِ الْحَدِيثُ قَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ؛ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ .
( ذَاتِ الرِّقَاعِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ، كَانَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي سِيرَتِهِ . وَفِي تَسْمِيَةِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ وُجُوهٌ ذَكَرَهَا أَصْحَابُ السِّيَرِ ، لَكِنْ قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ : وَالْأَصَحُّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي ، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ ؛ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنَ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا . ( فَأَصَابَ رَجُلٌ ) مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ قَتَلَهَا ( فَحَلَفَ ) الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ الَّذِي قُتِلَتْ زَوْجَتُهُ ( أَنْ لَا أَنْتَهِيَ ) ؛ أَيْ : لَا أَكُفَّ عَنِ الْمُعَاوضَةِ ( حَتَّى أُهْرِيقَ ) ؛ أَيْ أَصُبَّ ، مِنْ أَرَاقَ يُرِيقُ ، وَالْهَاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ .
( فَخَرَجَ يَتْبَعُ ) مِنْ سَمِعَ يَسْمَعُ ، يُقَالُ : تَبِعْتُ الْقَوْمَ تَبَعًا وَتَبَاعَةً - بِالْفَتْحِ - إِذَا مَشَيْتُ خَلْفَهُمْ ، وَأَتْبَعْتَ الْقَوْمَ عَلَى أَفَعَلْتَ إِذَا كَانُوا قَدْ سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهُمْ ؛ كَذَا فِي الصِّحَاحِ . ( أَثَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِفَتْحَتَيْنِ ؛ أَيْ قَدَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَمْشِي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
( مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ : مَنْ يَحْفَظُنَا وَيَحْرُسُنَا . يُقَالُ : كَلَأَهُ اللَّهُ كِلَاءَةً - بِالْكَسْرِ - أَيْ حَفِظَهُ وَحَرَسَهُ . ( فَانْتُدِبَ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : نَدَبَهُ لِأَمْرٍ فَانْتَدَبَ أَيْ دَعَاهُ لَهُ فَأَجَابَ .
( رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ) هُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ( وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ) هُوَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ، سَمَّاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ . ( فَقَالَ : كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ ) قَالَ ابْنُ نَاظُورٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : الشِّعْبُ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، وَالشِّعْبُ مَسِيلُ الْمَاءِ فِي بَطْنٍ مِنَ الْأَرْضِ لَهُ حَرْفَانِ مُشْرِفَانِ وَعَرْضُهُ بَطْحَةُ رَجُلٍ ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ سَنَدَيْ جَبَلَيْنِ ، انْتَهَى . وَقَوْلُهُ : بَطْحَةُ رَجُلٍ ؛ الْبَطْحُ : بر روى درافكندن بَطَحَهُ فَانْبَطَحَ .
وَالْمُرَادُ مِنَ الشِّعْبِ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الْأَخِيرُ ؛ أَيْ : مَسِيلُ الْمَاءِ فِي بَطْنٍ مِنَ الْأَرْضِ لَهُ حَرْفَانِ مُشْرِفَانِ وَعَرْضُهُ بَطْحَةُ رَجُلٍ ، لِأَنَّهُ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي ، فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُعَيِّنُ الْمَعْنَى الْأَخِيرَ . وَمَعْنَى ( كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ ) ؛ أَيْ : قِفَا بِطَرَفِهِ الَّذِي يَلِي الْعَدُوَّ . وَالْفَمُ هَاهُنَا كِنَايَةٌ عَنْ طَرَفِهِ .
( فَلَمَّا رَأَى ) ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ ( شَخْصَهُ ) ؛ أَيْ شَخْصَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَالشَّخْصُ سَوَادُ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ تَرَاهُ مِنْ بَعِيدٍ ، يُقَالُ : ثَلَاثَةُ أَشْخُصٍ ، وَالْكَثِيرُ شُخُوصٌ وَأَشْخَاصٌ . ( عَرَفَ ) الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ ( أَنَّهُ ) ؛ أَيِ الْأَنْصَارِيَّ ( رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ ) ، الرَّبِيئِيُّ وَالرَّبِيئَةُ الطَّلِيعَةُ ، وَالْجَمْعُ الرَّبَايَا . يُقَالُ : رَبَأْتُ الْقَوْمَ رَبْئًا وَارْتَبَأْتُهُمْ ؛ أَيْ رَقَبْتُهُمْ ، وَذَلِكَ إِذَا كُنْتَ لَهُمْ طَلِيعَةً فَوْقَ شَرَفٍ .
( فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ ) ؛ أَيْ وَقَعَهُ فِيهِ وَوَصَلَ إِلَى بَدَنِهِ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِصَابَةِ الْمَرْمَى وَصَوَابِ الرَّمْيِ ، وَالتَّقْدِيرُ : رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَمَا أَخْطَأَ نَفْسَهُ ، كَأَنَّهُ وَضَعَهُ فِيهِ وَضْعًا بِيَدِهِ مَا رَمَاهُ بِهِ رَمْيًا . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ رَفَعَ السِّلَاحَ ثُمَّ وَضَعَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ فَدَمُهُ هَدَرٌ ؛ أَيْ : مَنْ قَاتَلَ بِهِ ، مِنْ وَضَعَ الشَّيْءَ مِنْ يَدِهِ إِذَا أَلْقَاهُ ، فَكَأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي الضَّرِيبَةِ ؛ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . ( فَنَزَعَهُ ) ؛ أَيْ : نَزَعَ السَّهْمَ مِنْ جَسَدِهِ وَاسْتَمَرَّ فِي الصَّلَاةِ ( حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ) ، وَلَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ : فَرَمَى بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ .
قَالَ : فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ، فَثَبَتَ قَائِمًا ، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ، وَثَبَتَ قَائِمًا ، ثُمَّ عَادَ لَهُ فِي الثَّالِثِ فَوَضَعَهُ فِيهِ ، فَنَزَعَهُ ( ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ) الْأَنْصَارِيُّ ، وَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ لِاشْتِغَالِهِ بِحَلَاوَتِهَا عَنْ مَرَارَةِ أَلَمِ الْجُرْحِ ، ( ثُمَّ أَنْبَهَ صَاحِبَهُ ) مِنَ الْإِنْبَاهِ ، وَصَاحِبُهُ مَفْعُولُهُ ؛ هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ ، وَمَادَّتُهُ النُّبْهُ بِالضَّمِّ ؛ أَيِ الْقِيَامُ مِنَ النَّوْمِ ، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَالتَّضْعِيفِ فَيُقَالُ : أَنْبَهْتُهُ وَنَبَّهْتُهُ . وَأَمَّا الِانْتِبَاهُ فَهُوَ لَازِمٌ ، يُقَالُ : انْتَبَهَ مِنَ النَّوْمِ إِذَا اسْتَيْقَظَ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ : انْتَبَهَ صَاحِبُهُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ صَاحِبُهُ فَاعِلَهُ . ( فَلَمَّا عَرَفَ ) الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ ( أَنَّهُمْ ) ؛ أَيِ الْأَنْصَارِيَّ وَالْمُهَاجِرِيَّ ، وَضَمِيرُ الْجَمْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ .
( قَدْ نَذَرُوا بِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَيْ عَلِمُوا وَأَحَسُّوا بِمَكَانِهِ . يُقَالُ : نَذِرْتُ بِهِ إِذَا عَلِمْتُهُ ، وَأَمَّا الْإِنْذَارُ فَهُوَ الْإِعْلَامُ مَعَ تَخْوِيفٍ . ( مِنَ الدِّمَاءِ ) بَيَانُ مَا ، وَالدِّمَاءُ بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعُ دَمٍ .
( سُبْحَانَ اللَّهِ ! ) أَصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ وَالتَّقْدِيسُ وَالتَّبْرِيَةُ مِنَ النَّقَائِصِ ، سَبَّحْتُهُ تَسْبِيحًا وَسُبْحَانًا ، وَمَعْنَى ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) التَّنْزِيهُ لِلَّهِ ، نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمَحْذُوفٍ ؛ أَيْ : أُبَرِّئُ اللَّهَ مِنَ السُّوءِ بَرَاءَةً . وَالْعَرَبُ تَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ كَذَا إِذَا تَعَجَّبَتْ مِنْهُ . ( أَلَا أَنْبَهْتَنِي ! ) ؛ أَيْ : لِمَ مَا أَيْقَظْتَنِي ( أَوَّلَ مَا رَمَى ) مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ لِأَنْبَهْتَنِي ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ ؛ أَيْ حِينَ رَمْيِهِ الْأَوَّلُ .
( فِي سُورَةٍ ) وَهِيَ سُورَةُ الْكَهْفِ كَمَا بَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ ، ( أَنْ أَقْطَعَهَا ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَتَّى أُنْفِدَهَا ، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَآذَنْتُكَ ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِهِ لَقَطَعَ نَفَسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِدَهَا . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي وَأَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ؛ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ بِدَلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى أَمْرَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ خُرُوجَ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ سَوَاءٌ كَانَ سَائِلًا أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْحَقُّ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ : إِنَّ خُرُوجَ الدَّمِ مِنَ الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ بْنُ الْمُلَقِّنِ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ : رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاذٍ لَيْسَ الْوُضُوءُ مِنَ الرُّعَافِ وَالْقَيْءِ . وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ رَعَفَ فَمَسَحَ أَنْفَهُ بِخِرْقَةٍ ثُمَّ صَلَّى ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ ، زَادَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَطَاءً وَمَكْحُولًا وَرَبِيعَةَ وَمَالِكًا وَأَبَا ثَوْرٍ وَدَاوُدَ .
قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَقَالَ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : إِنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ، انْتَهَى . وَثَانِيهِمَا : أَنَّ دِمَاءَ الْجِرَاحَاتِ طَاهِرَةٌ مَعْفُوَّةٌ لِلْمَجْرُوحِينَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْحَقُّ .
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ فِي أَنَّ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانُوا يُجَاهِدُونَ وَيَذُوقُونَ آلَامَ الْجِرَاحَاتِ فَوْقَ مَا وَصَفْتُ ; فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُنْكِرَ عَنْ سَيَلَانِ الدِّمَاءِ مِنْ جِرَاحَاتِهِمْ وَتَلْوِيثِ ثِيَابِهِمْ ، وَمَعَ هَذَا هُمْ يُصَلُّونَ عَلَى حَالِهِمْ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِنَزْعِ ثِيَابِهِمُ الْمُتَلَبِّسَةِ بِالدِّمَاءِ حَالَ الصَّلَاةِ . وَقَدْ أُصِيبَ سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ لَهُ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ هُوَ فِيهَ وَدَمُهُ يَسِيلُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَا زَالَ الدَّمُ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ . وَمِنَ الأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى طَهَارَةِ دَمِ الْجِرَاحَةِ أَثَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ وَجُرْحُهُ يَجْرِي دَمًا .
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْجُرْحَ الَّذِي يَجْرِي يَتَلَوَّثُ بِهِ الثِّيَابُ قَطْعًا . وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَفْعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ شَرْعًا ثُمَّ يَسْكُتُ عَنْهُ سَائِرُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، فَهَلْ هَذَا إِلَّا لِطَهَارَةِ دِمَاءِ الْجِرَاحَاتِ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْهَضُ حُجَّةً إِذَا ثَبَتَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَمْ يَثْبُتْ .
قُلْتُ : أَوْرَدَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ ، وَزَادَ فِيهِ : فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُمَا . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْوُضُوءِ وَلَا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي السَّيْلِ الْجَرَّارِ : حَدِيثُ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِمْرَارِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الِاسْتِمْرَارُ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّمِ ، وَلَوْ كَانَ الدَّمُ نَاقِضًا لَبَيَّنَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ .
انْتَهَى كَلَامُهُ ، عَلَى أَنَّهُ بَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الْعَظِيمَةِ ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ زَمَانَ نُزُولِ الْوَحْي وَلَمْ يَحْدُثْ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَتَبَّعَ الْحَوَادِثَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ بَطَلَتْ . فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ وَقَعَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثَ جَابِرٍ عَقِيلُ بْنُ جَابِرٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ : فِيهِ جَهَالَةٌ ، مَا رَوَى عَنْهُ سِوَى صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ . وَقَالَ الْحَافِظُ : لَا أَعْرِفُ رَاوِيًا عَنْهُ غَيْرَ صَدَقَةَ .
انْتَهَى ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، عَقِيلٌ مَجْهُولٌ لَكِنْ بِجَهَالَةِ الْعَيْنِ لَا بِجَهَالَةِ الْعَدَالَةِ ، لِأَنَّهُ انْفَرَدَ عَنْهُ رَاوٍ وَاحِدٌ وَهُوَ صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ ، وَكُلُّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَجْهُولُ الْعَيْنِ ، وَالتَّحْقِيقُ فِي مَجْهُولِ الْعَيْنِ أَنَّهُ إِنْ وَثَّقَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ارْتَفَعَتْ جَهَالَتُهُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ : فَإِنْ سُمِّيَ الرَّاوِي وَانْفَرَدَ رَاوٍ وَاحِدٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ فَهُوَ مَجْهُولُ الْعَيْنِ كَالْمُبْهَمِ إِلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ غَيْرُ مَنِ انْفَرَدَ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَا مَنِ انْفَرَدَ عَنْهُ إِذَا كَانَ مُتَأَهِّلًا لِذَلِكَ ، انْتَهَى . وَعَقِيلُ بْنُ جَابِرٍ الرَّاوِي قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَ حَدِيثَهُ هُوَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ ، فَارْتَفَعَتْ جَهَالَتُهُ وَصَارَ حَدِيثُ جَابِرٍ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ .
وَقَدْ أَطَالَ أُخَيِّنَا الْمُعَظَّمُ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَأَوْرَدَ أَبْحَاثًا شَرِيفَةً فَعَلَيْكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ .