بَاب الْحَائِضِ تُنَاوِلُ مِنْ الْمَسْجِدِ
بَابٌ الْحَائِض تُنَاوِلُ مِنْ الْمَسْجِدِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ قُلْتُ : إِنِّي حَائِضٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ بَابُ الْحَائِضِ تُنَاوِلُ أَيْ تَأْخُذُ شَيْئًا ( مِنَ الْمَسْجِدِ ) وَهِيَ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَتُعْطِيهِ رَجُلًا آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَهُ . ( نَاوِلِينِي ) ، أَيْ : أَعْطِينِي ( الْخُمْرَةَ ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ السَّجَّادَةُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّي ، وَيُقَالُ : سُمِّيَتْ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ وَجْهَ الْمُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ أَيْ تَسْتُرُهُ ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا قَدْرَ مَا يَضَعُ الرَّجُلُ حُرَّ وَجْهِهِ فِي سُجُودِهِ .
وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَتْ فَأْرَةٌ ، فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ ، فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا ، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِطْلَاقِ الْخُمْرَةِ عَلَى مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْوَجْهِ . وَفِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ : هِيَ مِقْدَارُ مَا يَضَعُ عَلَيْهِ وَجْهَهُ فِي سُجُودِهِ مِنْ حَصِيرٍ أَوْ نَسِيجَةِ خُوصٍ وَنَحْوِهِ مِنَ النَّبَاتِ . وَفِي حَدِيثِ الْفَأْرَةِ تَصْرِيحٌ فِي إِطْلَاقِ الْخُمْرَةِ عَلَى الْكَبِيرِ مِنْهَا ، ( مِنَ الْمَسْجِدِ ) اخْتُلِفَ فِي مُتَعَلَّقِهِ ؛ فَبَعْضُهُمْ قَالُوا : مُتَعَلِّقٌ بِنَاوِلِينِي ، وَآخَرُونَ قَالُوا : مُتَعَلِّقٌ بِقَالَ .
أَيْ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَسْجِدِ . ذَهَبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِلَى الثَّانِي وَقَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا مِنَ الْمَسْجِدِ ، أَيْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ لِتُنَاوِلَهُ إِيَّاهَا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ لَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تُخْرِجَ الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي حُجْرَتِهَا وَهِيَ حَائِضٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ . فَإِنَّمَا خَافَتْ مِنْ إِدْخَالِ يَدِهَا الْمَسْجِدَ ، وَلَوْ كَانَ أَمَرَهَا بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْيَدِ مَعْنًى .
قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْمُؤَلِّفُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْخَطَّابِيُّ وَأَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ . قُلْتُ : هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ لَيْسَ فِيهِ خَفَاءٌ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَنْبُوزٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ ، وَتَقُومُ إِحْدَانَا بِالْخُمْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَتَبْسُطَهَا وَهِيَ حَائِضٌ وَالْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ .
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَقُومُ إِحْدَانَا بِالْخُمْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَتَقِفُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، فَتَبْسُطُهَا وَهِيَ حَائِضٌ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ خَطَأٌ ، وَصَوَابُهَا بِالْكَسْرِ أَيِ الْحَالَةُ وَالْهَيْئَةُ ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا عَلَى الْخَطَّابِيِّ ، وَقَالَ : الصَّوَابُ هَاهُنَا مَا قَالَهُ الْمُحَدِّثُونَ مِنَ الْفَتْحِ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الدَّمُ وَهُوَ الْحَيْضُ بِالْفَتْحِ بِلَا شَكٍّ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَتْ فِي يَدِكِ ، مَعْنَاهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي يُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا ، وَهِيَ دَمُ الْحَيْضِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي ، فَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ الْكَسْرُ .
هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ مِنَ الْفَتْحِ هُوَ الظَّاهِرُ هَاهُنَا ، وَلِمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَجْهٌ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ .