بَاب فِي الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْهَا مَا دُونَ الْجِمَاعِ
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَتَّزِرَ ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا زَوْجُهَا ، وَقَالَ مَرَّةً : يُبَاشِرُهَا . ( أَنْ تَتَّزِرَ ) أَيْ تَشُدَّ إِزَارًا يَسْتُرُ سُرَّتَهَا وَمَا تَحْتَهَا إِلَى الرُّكْبَةِ فَمَا تَحْتَهَا . وَقَوْلُهُ تَتَّزِرُ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ تَأْتَزِرَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَهِيَ أَفْصَحُ ، وَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ أَيْضًا فِي آخِرِ الْبَابِ بِلَفْظِ : يَأْمُرُنَا أَنْ نَتَّزِرَ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ، وَأَنْكَرَهُ أَكْثَرُ النُّحَاةِ وَأَصْلُهُ فَنَأْتَزِرَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَعَوَامُّ الْمُحَدِّثِينَ يُحَرِّفُونَهُ فَيَقْرَءُونَ بِأَلِفٍ وَتَاءٍ مُشَدَّدَةٍ ، أَيِ اتَّزَرَ وَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ افْتَعَلَ ، فَفَاؤُهُ هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ . وَقَطَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِخَطَأِ الْإِدْغَامِ .
وَقَدْ حَاوَلَ ابْنُ مَالِكٍ جَوَازَهُ وَقَالَ : إِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ كَاتَّكَلَ وَمِنْهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ ( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اتُّمِنَ ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَتَاءٍ مُشَدَّدَةٍ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً ، فَهُوَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ عَائِشَةَ ، فَإِنْ صَحَّ عَنْهَا كَانَ حُجَّةً فِي الْجَوَازِ لِأَنَّهَا مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ وَحِينَئِذٍ فَلَا خَطَأَ . نَعَمْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ ، وَحَكَاهُ الصَّغَانِيُّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ . كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالْإِرْشَادِ ( ثُمَّ يُضَاجِعُهَا زَوْجُهَا وَقَالَ مَرَّةً يُبَاشِرُهَا ) .
قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : انْفَرَدَ الْمُؤَلِّفُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ ذِكْرُ الزَّوْجِ فَيَحْتَمِلُ الْوَجْهَينِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَتْ بِزَوْجِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَتِ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ وَعَبَّرَتْ عَنْهُ بِالزَّوْجِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وغَيْرِهِ : وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرَ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ ، وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا أَوَّلًا يَأْمُرُ إِحْدَانَا لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا إِحْدَى الْمُسْلِمَاتِ ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَأْمُرَ كُلَّ مُسْلِمَةٍ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرَهَا زَوْجُهَا ، لَكِنْ جَعْلُ الرِّوَايَاتِ مُتَّفِقَةً أَوْلَى وَلَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَخَرَجِ ، وَمَعَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ثَبَتَ فِي حَقِّ سَائِرِ النِّسَاءِ . انْتَهَى . فَشُعْبَةُ شَاكٌّ فِيهِ ; مَرَّةً يَقُولُ : ثُمَّ يُضَاجِعُهَا زَوْجُهَا وَمَرَّةً يَقُولُ : ثُمَّ يُبَاشِرُهَا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا .