بَاب فِي مَنْ نَامَ عَنْ صَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا
بَابٌ فِي مَنْ نَامَ عَنْ صَّلَاة أَوْ نَسِيَهَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَسَارَ لَيْلَةً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَنَا الْكَرَى عَرَّسَ وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ قَالَ : فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، حَتَّى إِذَا ضَرَبَتْهُمْ الشَّمْسُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَهُمْ اسْتِيقَاظًا ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا بِلَالُ فَقَالَ : أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ يا رسول الله بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لَهُمْ الصَّلَاةَ وَصَلَّى لهمْ الصُّبْحَ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ : أَقِمْ الصَّلَاةَ لِلذِّكْرَى . قَالَ يُونُسُ : وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ . قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ عَنْبَسَةُ يَعْنِي عَنْ يُونُسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لِذِكْرِي .
قَالَ أَحْمَدُ : الْكَرَى النُّعَاسُ . بَابٌ فِي مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ بَيْنِ نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُمِّهِ هِرَّةً فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ فَاشْتُهِرَ بِهِ . وَالْأَوْجَهُ فِي وَجْهِ عَدَمِ انْصِرَافِ هُرَيْرَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ هُوَ أَنَّ هُرَيْرَةَ صَارَتْ عَلَمًا لِتِلْكَ الْهِرَّةِ ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ .
( حِينَ قَفَلَ ) ؛ أَيْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ( حَتَّى إِذَا أَدْرَكَنَا ) بِفَتْحِ الْكَافِ ( الْكَرَى ) بِفَتْحَتَيْنِ ؛ هُوَ النُّعَاسُ ، وَقِيلُ : النَّوْمُ . ( عَرَّسَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ نَزَلَ لِلنَّوْمِ وَالِاسْتِرَاحَةِ ، وَالتَّعْرِيسُ النُّزُولُ لِغَيْرِ إِقَامَةٍ . ( اكْلَأْ ) ؛ أَيِ احْفَظْ وَاحْرُسْ ( لَنَا اللَّيْلَ ) ؛ أَيْ آخِرَهُ لِإِدْرَاكِ الصُّبْحِ ، ( فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ ) هَذَا عِبَارَةٌ عَنِ النَّوْمِ ؛ أَيْ نَامَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ ، ( وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُفِيدُ عَدَمِ اضْطِجَاعِهِ عِنْدَ غَلَبَةِ نَوْمِهِ ، ( حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ ) ؛ أَيْ أَصَابَتْهُمْ وَوَقَعَ عَلَيْهِمْ حَرِّهَا .
( أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي اسْتِيقَاظِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ النَّاسِ إِيمَاء إِلَى أَنَّ النُّفُوسَ الزَّكِيَّةَ وَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ شَيْءٌ مِنَ الْحُجُبِ الْبَشَرِيَّةِ لَكِنَّهَا عَنْ قَرِيبٍ سَتَزُولُ ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ هُوَ أَزْكَى كَانَ زَوَالُ حُجُبُهُ أَسْرَعَ . ( فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِكَسْرِ الزَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ؛ أَيْ : مِنِ اسْتِيقَاظِهِ وَقَدْ فَاتَتْهُ الصُّبْحُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ ، يُقَالُ : فَزَّعْتُ الرَّجُلَ مِنْ نَوْمِهِ ؛ إِذَا استيْقَظْتُهُ فَفَزِعَ ، أَيْ نَبَّهْتُهُ فَانْتَبَهَ .
( فَقَالَ : يَا بِلَالُ ) وَالْعِتَابُ مَحْذُوفٌ أَوْ مُقَدَّرٌ ؛ أَيْ : لِمَ نِمْتَ حَتَّى فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ ؟ ( فَقَالَ ) ؛ أَيْ بِلَالٌ مُعْتَذِرًا ( أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ) ؛ أَيْ : كَمَا تَوَفَّاكَ اللَّهُ فِي النَّوْمِ تَوَفَّانِي ، أَوْ يُقَالُ : مَعْنَاهُ غَلَبَ عَلَى نَفْسِي مَا غَلَبَ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ النَّوْمِ ، أَيْ : كَانَ نَوْمِي بِطَرِيقِ الِاضْطِرَارِ دُونَ الِاخْتِيَارِ لِيَصِحَّ الِاعْتِذَارُ . ( فَاقْتَادُوا ) مَاضٍ ؛ أَيْ : سَاقُوا ( رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا ) يَسِيرًا مِنَ الزَّمَانِ ، أَوِ اقْتِيَادًا قَلِيلًا مِنَ الْمَكَانِ ، يَعْنِي قَالَ : أَذْهِبُوا رَوَاحِلَكُمْ ، فَذَهَبُوا بِهَا مِنْ ثَمَّةَ مَسَافَةً قَلِيلَةً . ( وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ) فِيهِ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْأَذَانِ ، وَسَيَجِيءُ تَحْقِيقُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي .
( وَصَلَّى لَهُمُ الصُّبْحَ ) ؛ أَيْ قَضَاءً . ( قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً ) وَفِي مَعْنَى النِّسْيَانِ النَّوْمُ أَوْ مَنْ تَرَكَهَا بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ ( فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ) فَإِنَّ فِي التَّأْخِيرِ آفَاتٌ ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَائِتَةِ وَالْأَدَائِيَّةِ ، ( أَقِمِ الصَّلَاةَ لِلذِّكْرَى ) بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ مَقْصُورَةٌ ، وَوَزْنُهَا فِعْلَى مَصْدَرٌ مِنْ ذَكَرَ يَذْكُرُ . ( قَالَ يُونُسُ : وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ ) ؛ أَيْ بِلَامَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ مَقْصُورَةٌ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ قَالَ يُونُسُ : وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا : لِلذِّكْرَى .
انْتَهَى ، وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ : لِذِكْرِي ؛ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ كَمَا سَيَجِيءُ . ( قَالَ عَنْبَسَةَ يَعْنِي عَنْ يُونُسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لِذِكْرِي ) ؛ أَيْ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ ، وَفِيهِ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أَيْ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَمُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَا : ثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ ، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قَالَ مُوسَى : قَالَ هَمَّامٌ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ : حَاصِلُهُ أَنَّ هَمَّامًا سَمِعَهُ مِنْ قَتَادَةَ مَرَّةً بِلَفْظِ لِلذِّكْرَى ؛ يَعْنِي بِقِرَاءَةِ ابْنِ شِهَابٍ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . وَمَرَّةً بِلَفْظِ لِذِكْرِي ؛ أَيْ بِالْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ .
وَعَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ ؛ فَقِيلَ : الْمَعْنَى لِتَذْكُرَنِي فِيهَا ، وَقِيلَ : لِأَوْقَاتِ ذِكْرَى وَهِيَ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ . وَقَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ : هَذِهِ الْآيَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنَ التَّأْوِيلِ ، لَكِنِ الْوَاجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ الْحَدِيثَ ، فَالْمَعْنَى : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَهَا فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى . أَوْ يُقَدَّرُ الْمُضَافَ ، أَيْ لِذِكْرِ صَلَاتِي .
أَوْ وَقَعَ ضَمِيرُ اللَّهِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الصَّلَاةِ لِشرَفِهَا وَخُصُوصِيَّتِهَا ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : لِذِكْرِي مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ ؛ أَيْ : إِذَا ذَكَرْتَ صَلَاتِي بَعْدَ النِّسْيَانِ . انْتَهَى ، وَإِنْ شِئْتَ التَّفْصِيلَ فَارْجِعْ إِلَى غَايَةِ الْمَقْصُودِ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا فِي مَكَانِهِمْ ذَلِكَ عِنْدَمَا اسْتَيْقَظُوا حَتَّى اقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ ثُمَّ تَوَضَّئُوا ، ثُمَّ أَقَامَ بِلَالٌ وَصَلَّى بِهِمْ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ وَتَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِتَرْتَفِعَ الشَّمْسُ فَلَا يَكُونُ فِي وَقْتٍ مَنْهِيٍّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَوَّلُ تَبَزُّغُ الشَّمْسِ . قَالُوا : وَالْفَوَائِتُ لَا تُقْضَى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا ، وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : تُقْضَى الْفَوَائِتُ فِي كُلِّ وَقْتٍ نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ لَمْ يُنْهَ عَنْهَا إِذَا كَانَ لَهَا سَبَبٌ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ إِذَا كَانَ تَطَوُّعًا وَابْتِدَاءً مِنْ قِبَلِ الِاخْتِيَارِ دُونَ الْوَاجِبَاتِ ، فَأَمَّا الْفَوَائِتُ فَإِنَّهَا تُقْضَى الفوائت فيها إِذَا ذُكِرَتْ فِي أَيْ وَقْتٍ كَانَ بِدَلِيلِ الْخَبَرِ ، وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَحَمَّادٍ ، وَتَأَوَّلُوا - أَوْ مَنْ تَأَوَّلَ مِنْهُمُ - الْقِصَّةَ فِي قَوْدِ الرَّوَاحِلِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْغَفْلَةُ فِيهِ وَالنِّسْيَانُ ، كَمَا يَظْهَرُ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ الْعَطَّارِ . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ، فَكَيْفَ ذَهَبَ عَنِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَشْعُرُ بِهِ ؟ قُلْنَا : قَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ خَاصُّ فِي أَمْرِ الْحَدَثِ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّائِمِ قَدْ يَكُونُ مِنْهُ الْحَدَثُ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّ قَلْبَهُ لَا يَنَامُ حَتَّى يَشْعُرَ بِالْحَدَثِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فِي مَنَامِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي لِقَلْبِهِ أَنْ يَنَامَ .
فَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ وَإِثْبَاتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ دَرْكُهُ بِنَظَرِ الْعَيْنِ دُونَ الْقَلْبِ ، فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .