بَاب فِي كَرَاهِيَةِ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ ، ثنا خَالِدٌ ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ الْعَرَاجِينَ وَلَا يَزَالُ فِي يَدِهِ مِنْهَا ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ مُغْضَبًا فَقَالَ : أَيَسُرُّ أَحَدَكُمْ أَنْ يُبْصَقَ فِي وَجْهِهِ ، إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ عز وجل وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ ، فَلَا يَتْفُلْ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا فِي قِبْلَتِهِ ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ، فَإِنْ عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ هَكَذَا وَوَصَفَ لَنَا ابْنُ عَجْلَانَ ذَلِكَ أَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ . ( كَانَ يُحِبُّ الْعَرَاجِينَ ) هِيَ جَمْعُ عُرْجُونٍ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - وَهُوَ الْعُودُ الْأَصْغَرُ الَّذِي فِيهِ الشَّمَارِيخُ إِذَا يَبِسَ وَاعْوَجَّ ، وَهُوَ مِنَ الِانْعِرَاجِ وَهُوَ الِانْعِطَافُ ، وَالْوَاوُ وَالنُّونُ فِيهِ زَائِدَتَانِ ؛ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . ( مِنْهَا ) ؛ أَيْ مِنَ الْعَرَاجِينَ ( فَرَأَى نُخَامَةَ ) قَالَ الْحَافِظُ : قِيلَ هِيَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ .
وَقِيلَ : النُّخَاعَةُ بِالْعَيْنِ مِنَ الصَّدْرِ ، وَبِالْمِيمِ مِنَ الرَّأْسِ . ( فَحَكَّهَا ) ؛ أَيِ النُّخَامَةَ ( ثُمَّ أَقْبَلَ ) ؛ أَيْ تَوَجَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مُغْضَبًا ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ أَقْبَلَ ، ( أَيَسُرُّ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ مِنَ السُّرُورِ ( أَحَدُكُمْ ) بِنَصْبِ الدَّالِ هُوَ مَفْعُولُ يَسُرُّ ( أَنْ يَبْصُقَ ) ؛ أَيْ يَبْزُقَ ، وَهُوَ فَاعِلُ يَسُرُّ . ( وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ الْكَاتِبُ فَقَدِ اسْتُشْكِلَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَنْعِ ، مَعَ أَنَّ عَنْ يَسَارِهِ مَلَكًا آخَرَ ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَلَكِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا ، هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ .
وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ ، فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ . انْتَهَى ، فَالتَّفْلُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْيَمِينِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَلَا يَتْفُلُ ) ؛ أَيْ : فَلَا يَبْزُقُ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ . ( وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهُ ) قَالَ الْحَافِظُ : كَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَفِيَّ رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ : وَتَحْتَ قَدَمِهِ بِوَاوِ الْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ ؛ بِحَذْفِ كَلِمَةِ أَوْ ، وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا أَوْ أَعَمُّ لِكَوْنِهَا تَشْمَلُ مَا تَحْتَ الْقَدَمِ ، انْتَهَى . وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ الْفَضْلِ السِّجِسْتَانِيِّ وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ فِيهَا أَيْضًا : وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى ؛ بِحَذْفِ كَلِمَةِ أَوْ .
( فَإِنْ عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ ) ؛ يَعْنِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُزَاقُ وَالنُّخَامَةُ ( فَلْيَقُلْ هَكَذَا ) مَعْنَاهُ فَلْيَفْعَلْ هَكَذَا ( وَوَصَفَ لَنَا ابْنُ عَجْلَانٍ ) ؛ أَيْ قَالَ خَالِدٌ : بَيَّنَ لَنَا ابْنُ عَجْلَانٍ ( ذَلِكَ ) ؛ أَيْ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ : فَلْيَقُلْ هَكَذَا . ( أَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ يَرُدُّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ .