بَاب التَّشْدِيدِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ
حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، ثنا أَبُو الْمَلِيحِ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَتِي فَيَجْمَعُوا حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ ، ثُمَّ آتِيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ . قُلْتُ لِيَزيد بْنِ الْأَصَمِّ : يَا أَبَا عَوْفٍ ، الْجُمُعَةَ عَنَى أَوْ غَيْرَهَا ؟ قَالَ : صُمَّتَا أُذُنَايَ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْثُرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا ذَكَرَ جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا . ( أَنْ آمُرُ فِتْيَتِي ) ؛ أَيْ جَمَاعَةً مِنْ شُبَّانِ أَصْحَابِي أَوْ خَدَمِي وَغِلْمَانِي ( لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ ) ؛ أَيْ عُذْرٌ ، وَالْعُذْرُ الْخَوْفُ أَوِ الْمَرَضُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ .
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الأَعْذَارَ تُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ ( يَا أَبَا عَوْفٍ ) كُنْيَةٌ لِيَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، ( الْجُمُعَةَ ) مَفْعُولُ عَنَى ، ( عَنَى ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَوْ غَيْرَهَا ) ؛ أَيِ الْجُمُعَةِ ( قَالَ ) أَبُو عَوْفٍ ( صُمَّتَا ) بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ ؛ أَيْ كُفَّتَا عَنِ السَّمَاعِ ، وَهَذَا عَلَى نَهْجِ : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( يَأْثُرُهُ ) ؛ أَيْ يَرْوِيهِ ( مَا ذَكَرَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا ) ؛ يَعْنِي أَنَّ الْوَعِيدَ وَالتَّهْدِيدَ فِي الْمُتَخَلِّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجُمُعَةِ ؛ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : فَظَهَرَ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا أَنَّهَا أَيِ الصَّلَاةَ الَّتِي وَقَعَ التَّهْدِيدُ بِسَبَبِهَا ، لَا تَخْتَصُّ بِالْجُمُعَةِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ الْجَزْمُ بِالْجُمُعَةِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ ؛ لِأَنَّ مُخَرِّجَهُ مُغَائرٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يَقْدَحُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا .