بَاب قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَالِمٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَبَابٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَقُلْنَا لِشَابٍّ مِنَّا : سَلْ ابْنَ عَبَّاسٍ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؟ فَقَالَ : لَا لَا ، فَقِيلَ لَهُ : لَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ ؟ فَقَالَ : خَمْشًا ، هَذِهِ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ ، وَمَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَيْءٍ إِلَّا بِثَلَاثِ خِصَالٍ . أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ ، وَأَنْ لَا نُنْزِئَ الْحِمَارَ عَلَى الْفَرَسِ . ( فِي شَبَابٍ ) جَمْعُ شَابٍّ وَهُوَ مَنْ بَلَغَ إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً وَلَا يُجْمَعُ فَاعِلُ عَلَى فَعَالِ غَيْرُهُ ( سَلْ ) أَمْرٌ مِنَ السُّؤَالِ ( فَقَالَ : لَا ) أَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَشُكُّ فِي الْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّيَّةِ تَارَةً وَيَنْفِيهَا أُخْرَى وَرُبَّمَا أَثْبَتَهَا .
أَمَّا نَفْيُهُ فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا شَكُّهُ فَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ وَأَمَّا إِثْبَاتُهَا فَمَا رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ : أَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؟ قَالَ : هُوَ إِمَامُكَ اقْرَأْ مِنْهُ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَقَدْ أَثْبَتَ قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا خَبَّابٌ وَأَبُو قَتَادَةَ وغيرهما فَرِوَايَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَنْ نَفَى فَضْلًا عَلَى مَنْ شَكَّ ( فَقَالَ خَمْشًا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : دُعَاءٌ عَلَيْهِ أَنْ يُخْمَشَ وَجْهُهُ أَوْ جِلْدُهُ كَمَا يقَالَ جَدْعًا لَهُ وَصَلْبًا وَطَعْنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ بِالسُّوءِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ لَا يَظْهَرُ ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ .
وَالْخَمْشُ مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ خراشيدن ( أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ ) مِنَ الْإِسْبَاغِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِتْمَامُ وَمِنْهُ دِرْعٌ سَابِغٌ أَيْ : أَنْ نُتِمَّهُ وَلَا نَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ ( وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ ) لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وَأَنْ لَا نُنْزِئ الْحِمَارَ عَلَى الْفَرَسِ ) أَيْ لَا نَحْمِلُهَا عَلَيْهَا لِلنَّسْلِ ، يُقَالُ : نَزَا الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى رَكِبَهُ وَأَنْزَيْتُهُ أَنَا ، وَلَعَلَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يَقِلُّ عَدَدُهَا وَانْقَطَعَ نَمَاؤُهَا وَتَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهَا ، وَالْخَيْلُ لِلرُّكُوبِ وَالرَّكْضِ وَالطَّلَبِ وَالْجِهَادِ وَإِحْرَازِ الْغَنَائِمِ وَالْأَكْلِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَنَافِعِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْبَغْلِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْكِلُ الِاخْتِصَاصُ فِي الْإِسْبَاغِ وَالْإِنْزَاءِ ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ : مُسْتَحَبٌّ أُمِرَ بِهِ كُلَّ وَاحِدٍ ، وَالثَّانِي : مَكْرُوهٌ نُهِيَ عَنْهُ كُلَّ وَاحِدٍ ، نَعَمْ حُرْمَةُ أَكْلِ الصَّدَقَةِ مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ الْبَيْتِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِيجَابُ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ أَوِ الْمُرَادَ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدُ فِي ذَلِكَ ، وَقِيلَ : هَذَا كَقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِلَّا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ، فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الِاخْتِصَاصِ وَالِاسْتِيثَارِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِهِمْ . كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . قُلْتُ : وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مُخْتَصِرًا وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .