بَاب مَنْ رَأَى التَّخْفِيفَ فِيهَا
بَابُ مَنْ رَأَى التَّخْفِيفَ فِيهَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادٌ أَنَا هِشَامُ ابْنُ عُرْوَةَ : أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِنَحْوِ مَا تَقْرَءُونَ : وَالْعَادِيَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ السُّوَرِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا يَدُلُّ أَنَّ ذَاكَ مَنْسُوخٌ . وقَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا أَصَحُّ .
بَاب مَنْ رَأَى التَّخْفِيفَ فِيهَا ( هَذَا يَدُلُّ أَنَّ ذَاكَ مَنْسُوخٌ ) أَيْ قِرَاءَةُ عُرْوَةَ فِي الْمَغْرِبِ بِنَحْوِ وَالْعَادِيَاتِ وَشَبَهِهَا مِنَ السُّوَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّطْوِيلَ فِي قِرَاءَةِ الْمَغْرِبِ مَنْسُوخٌ . وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمُؤَلِّفُ وَجْهَ الدِّلَالَةِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى عُرْوَةَ رَاوِي الْخَبَرِ عَمِلَ بِخِلَافِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى نَاسِخِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَخْفَى بَعْدُ هَذَا الْحَمْلُ ، وَكَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ وَأُمُّ الْفَضْلِ تَقُولُ إِنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِهِمْ قَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ .
انْتَهَى . قُلْتُ : إِنْ سَلَكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْلَكَ النَّسْخِ يَثْبُتُ نَسْخُ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ بِحَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ لَا الْعَكْسُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِاسْتِحْبَابِ الْقِصَارِ فِي الْمَغْرِبِ ، أَنَّهُمْ كَيْفَ قَالُوا بِهِ مَعَ ثُبُوتِ طُوَالِ الْمُفَصَّلِ بَلْ أَطْوَلَ مِنْهَا عَنِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَابُوا عَنْهُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ تَطْوِيلَ الْقِرَاءَةِ لَعَلَّهُ كَانَ أَوَّلًا ثم نَسَخَ ذَلِكَ وَتُرِكَ بِمَا وَرَدَ فِي قِرَاءَةِ الْمُفَصَّلِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَعَلَّهُ فَرَّقَ السُّورَةَ الطَّوِيلَةَ فِي رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَقْرَأْهَا بِتَمَامِهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَصَارَ قَدْرُ مَا قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ بِقَدْرِ الْقِصَارِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ قَرَأَ بِالطِّوَالِ لِتَعْلِيمِ الْجَوَازِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُمْتَدٌّ ، وَعَلَى أَنَّ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ فِيهِ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَتْمِيٍّ . وَأَقُولُ : الْجَوَابَانِ الْأَوَّلَانِ مَخْدُوشَانِ ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى احْتِمَالِ النَّسْخِ وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَلِأَنَّ كَوْنَهُ مَتْرُوكًا إِنَّمَا يَثْبُتُ لَوْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ الطِّوَالِ مِنْ حَيْثُ التَّارِيخُ وَهُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ أُمِّ الْفَضْلِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا آخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ فِي الْمَغْرِبِ .
فَحِينَئِذٍ إِنْ سَلَكَ مَسْلَكَ النَّسْخِ يَثْبُتُ نَسْخُ قِرَاءَةِ الْقِصَارِ لَا الْعَكْسُ . وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ إِثْبَاتَ التَّفْرِيقِ فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي قِرَاءَةِ الطِّوَالِ مُشْكِلٌ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ سَمِعَ الطُّورَ بِتَمَامِهِ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَغْرِبِ فَلَا يُفِيدُ ح لَيْتَ وَلَعَلَّ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الْمَغْرِبِ فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نِصْفَ الْأَعْرَافِ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْقِصَارِ ، فَلَا يُفِيدُ التَّفْرِيقُ لِإِثْبَاتِ الْقِصَارِ ، فَإِذن الْجَوَابُ الصَّوَابُ هُوَ الثَّالِثُ . كَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ .
قُلْتُ : هَذَا الْجَوَابُ الثَّالِثُ أَيْضًا مَخْدُوشٌ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ، مِنْ إِنْكَارِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى مَرْوَانَ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى قِصَارِ الْمُفَصَّلِ فِي الْمَغْرِبِ ، وَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّوَرَ الطَّوِيلَةَ فِي الْمَغْرِبِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لَمَا كَانَ مَا فَعَلَهُ مَرْوَانُ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِصَارِ الْمُفَصَّلِ إِلَّا مَحْضُ السُّنَّةِ وَلَمْ يَحْسُنُ مِنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ إِنْكَارُ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَفْعَلْ غَيْرَهُ إِلَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا سَكَتَ مَرْوَانُ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَقَامِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ . وَأَيْضًا بَيَانُ الْجَوَازِ يَكْفِي فِيهِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ قَرَأَ بِالسُّوَرِ الطَّوِيلَةِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ . فَالْحَقُّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وقصاره وَسَائِرِ السُّوَرِ سُنَّةٌ ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ إِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ اعْتِقَادٌ أَنَّهُ السُّنَّةُ دُونَ غَيْرِهِ مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .