باب من رأى القراءة إذا لم يجهر
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ ، فَلَمَّا انْفَتَلَ قَالَ : أَيُّكُمْ قَرَأَ بِ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا ، فَقَالَ : عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا . ( فَلَمَّا انْفَتَلَ ) أَيْ فَرَغَ وَانْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ ( فَقَالَ : عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : أَيْ جَاذَبَنِيهَا ، وَالْخَلْجُ الْجَذْبُ ، وَهَذَا وَقَوْلُهُ : نَازَعَنِيهَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ .
وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُجَاذَبَتَهُ إِيَّاهُ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ ، حِينَ تَدَاخَلَتِ الْقِرَاءَتَانِ وَتَجَاذَبَتَا ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي السَّكْتَةِ فَعَلَ ، وَإِلَّا قَرَأَ مَعَهُ لَا مَحَالَةَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ آخَرِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ .
وَافْتَرَقَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلٍ ، فَكَانَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولُونَ : لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ وَفِيمَا لَمْ يَجْهَرْ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : يَقْرَأُ فِيمَا أَسَرَّ الْإِمَامُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَقْرَأُ فِيمَا جَهَرَ بِهِ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ جَهَرَ أَوْ أَسَرَّ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ . قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ : هَذَا خَبَرٌ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ لِإِرْسَالِهِ وَانْقِطَاعِهِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ .
قَالَ : وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَإِسْرَائِيلُ ، وَشَرِيكٌ ، وَأَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحُرَيْثُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مُرْسَلًا ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّوَابُ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ .
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : إِنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْحُفَّاظِ . وَقَدِ اسْتَوْعَبَ طُرُقَهُ وَعَلَّلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنِ الْمُؤْتَمِّ فِي الْجَهْرِيَّةِ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ الْمُتَقَدِّمُ خَاصٌّ فَلَا مُعَارَضَةَ .
كَذَا فِي النَّيْلِ .