بَاب مَا يُجْزِئُ الْأُمِّيَّ وَالْأَعْجَمِيَّ مِنْ الْقِرَاءَةِ
بَابُ مَا يُجْزِئُ الْأُمِّيَّ وَالْأَعْجَمِيَّ مِنْ الْقِرَاءَةِ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ أَنَا خَالِدٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِينَا الْأَعْرَابِيُّ وَالْأَعْجَمِيُّ ، فَقَالَ : اقْرَءُوا فَكُلٌّ حَسَنٌ ، وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ ، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ .
باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة ( وَفِينَا ) أَيْ مَعْشَرُ الْقُرَّاءِ ( الْأَعْرَابِيُّ ) أَيِ الْبَدْوِيُّ ( وَالْعَجَمِيُّ ) أَيْ غَيْرُ الْعَرَبِي مِنَ الْفَارِسِيِّ وَالرُّومِيِّ وَالْحَبَشِيِّ كَسَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَقَوْلُهُ : فِينَا يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ كُلَّهُمْ مُنْحَصِرُونَ فِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ . وَثَانِيهُمَا : أَنَّ فِينَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِيمَا بَيْننَا تَانِكَ الطَّائِفَتَانِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْرَابِيِّ وَالْعَرَبِيِّ بِمِثْلِ مَا فِي خُطْبَتِهِ : مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيٍّ ، حَيْثُ جَعَلَ الْمُهَاجِرَ ضِدَّ الْأَعْرَابِيِّ ، وَالْأَعْرَابُ : سَاكِنُو الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَارِ وَلَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ ، وَالْعَرَبُ : اسْمٌ لِهَذَا الصِّنْفِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّاسِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ سَوَاءٌ أَقَامَ بِالْبَادِيَةِ أَوِ الْمُدُنِ ، انْتَهَى . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ أَعَمُّ مِنَ الْأَعْرَابِ وَهُمْ أَخَصُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ( فَقَالَ : اقْرَءُوا ) أَيْ كُلُّكُمْ ( فَكُلٌّ حَسَنٌ ) أَيْ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ قِرَاءَتِكُمْ حَسَنَةٌ مَرْجُوَّةٌ لِلثَّوَابِ إِذَا آثَرْتُمُ الْآجِلَةَ عَلَى الْعَاجِلَةِ ، وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُقِيمُوا أَلْسِنَتَكُمْ إِقَامَةَ الْقِدْحِ وَهُوَ السَّهْمُ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ ( وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ ) أَيْ يُصْلِحُونَ أَلْفَاظَهُ وَكَلِمَاتِهِ وَيَتَكَلَّفُونَ فِي مُرَاعَاةِ مَخَارِجِهِ وَصِفَاتِهِ ( كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ ) أَيْ يُبَالِغُونَ فِي عَمَلِ الْقِرَاءَةِ كَمَالَ الْمُبَالَغَةِ لِأَجْلِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالشُّهْرَةِ .
قَالَ الطِّيبِيُّ : وَفِي الْحَدِيثِ رَفْعُ الْحَرَجِ وَبِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ فِي الظَّاهِرِ ، وَتَحَرِّي الْحِسْبَةِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ ، وَالتَّفَكُّرِ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ ، وَالْغَوْصِ فِي عَجَائِبِ أَمْرِهِ ( يَتَعَجَّلُونَهُ ) أَيْ ثَوَابَهُ فِي الدُّنْيَا ( وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ ) بِطَلَبِ الْأَجْرِ فِي الْعُقْبَى ، بَلْ يُؤْثِرُونَ الْعَاجِلَةَ عَلَى الْآجِلَةِ ، وَيَتَأَكَّلُونَ وَلَا يَتَوَكَّلُونَ .