بَاب التَّأْمِينِ وَرَاءَ الْإِمَامِ
بَابُ التَّأْمِينِ وَرَاءَ الْإِمَامِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ حُجْرٍ أَبِي الْعَنْبَسِ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . إِذَا قَرَأَ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ : آمِينَ وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ . بَاب التَّأْمِينِ وَرَاءَ الْإِمَامِ ( أنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ، ( عَنْ حُجْرٍ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ( أَبِي الْعَنْبَسِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، بَيْنَهُمَا نُونٌ ( إِذَا قَرَأَ : وَلا الضَّالِّينَ قَالَ : آمِينَ ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : سَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِحُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ ثِقَةٌ مَعْرُوفٌ ، قِيلَ : لَهُ صُحْبَةٌ ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُ وَتَصَحَّفَ اسْمُ أَبِيهِ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ ، فَقَالَ فِيهِ : حُجْرُ بْنُ قَيْسٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . قُلْتُ : فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ مَكَانَ رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَدِّ إِلَّا رَفْعَ الصَّوْتِ بِهَا . قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الْمُحَدِّثُ الدِّهْلَوِيُّ فِي اللُّمَعَاتِ : قَوْلُهُ : مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ ، أَيْ : بِكَلِمَةِ : آمِينَ ، يَحْتَمِلُ الْجَهْرَ بِهَا ، وَيَحْتَمِلُ مَدَّ الْأَلِفِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحِ ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ بِقَرِينَةِ الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ ، فَفِي بَعْضِهَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ ، هَذَا صَرِيحٌ فِي مَعْنَى الْجَهْرِ .
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : حَتَّى يَسْمَعَهَا الصَّفُّ الْأَوَّلُ ، فَيَرْتَجَّ بِهَا الْمَسْجِدُ ، وَفِي بَعْضِهَا : يَسْمَعُ مَنْ كَانَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : احْتَجَّ الرَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ وَائِلٍ أَيِ الَّذِي بِلَفْظِ مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَهْرِ بِآمِينَ . وَقَالَ فِي أَمَالِيهِ : يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى لُغَةِ الْمَدِّ دُونَ الْقَصْرِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ ، وَلَكِنْ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ : رَفَعَ صَوْتَهُ تُبْعِدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ .
وَلِهَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ عَقِبَهُ وَبِهِ يَقُولُ غَيْرُ وَاحِدٍ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِنَانِ الْجَهْرِ بِآمِينَ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَبِهِ يَقُولُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَرَوْنَ أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ صَوْتَهُ بِالتَّأْمِينِ وَلَا يُخْفِيهَا ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، انْتَهَى . وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ : وَالْحَنَفِيَّةُ بِالسِّرِّ بِهَا ، وَحُجَّتُهُمْ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حُجْرٍ أَبِي الْعَنْبَسِ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَلَغَ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ : آمِينَ وَأَخْفَى بِهِ صَوْتَهُ وَلَفْظُ الْحَاكِمِ : خَفَضَ صَوْتَهُ ، لَكِنْ قَدْ أَجْمَعَ الْحُفَّاظُ مِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ شُعْبَةَ وَهِمَ فِي قَوْلِهِ : خَفَضَ صَوْتَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَدَّ صَوْتَهُ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ : حَدِيثُ سُفْيَانَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ فِي هَذَا وَأَخْطَأَ شُعْبَةُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : عَنْ حُجْرٍ أَبِي الْعَنْبَسِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حُجْرُ ابْنُ عَنْبَسٍ ، وَيُكَنَّى أَبَا السَّكَنِ ، وَزَادَ فِيهِ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ حُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، وَقَالَ : وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : حَدِيثُ سُفْيَانَ فِي هَذَا أَصَحُّ . قَالَ رَوَى الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ الْأَسَدِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، نَحْوَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، انْتَهَى . وَطَعَنَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ هَذَا بِأَنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ خِلَافَهُ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ ، ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، سَمِعْتُ حُجْرًا أَبَا عَنْبَسِ ، يُحَدِّثُ عَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ ، أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قَالَ : وَلا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ رَافِعًا بِهِ صَوْتَهُ .
قَالَ : فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُوَافِقُ رِوَايَةَ سُفْيَانَ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ إِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ صَحِيحٌ ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ : سُفْيَانُ أَحْفَظُ ، وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : إِذَا خَالَفَ شُعْبَةُ سُفْيَانَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ . قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعَ الْحُفَّاظُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ أَخْطَأَ ، فَقَدْ رَوَى مِنْ أَوْجُهٍ ، فَجَهَرَ بِهَا ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَا أَعْلَمُ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ إِذَا اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ شُعْبَةَ ، وَلَا يُعَدِلُهُ عِنْدِي أَحَدٌ ، وَإِذَا خَالَفَهُ سُفْيَانُ أَخَذْتُ بِقَوْلِ سُفْيَانَ ، وَقَالَ شُعْبَةُ : سُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنِّي ، انْتَهَى . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بَعْدَ إِخْرَاجِ حَدِيثِ شُعْبَةَ .
وَيُقَالُ : إِنَّهُ وَهِمَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَغَيْرَهُمَا رَوَوْهُ عَنْ سَلَمَةَ ، فَقَالُوا : وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّخْلِيصِ : وَقَدْ رَجَحَتْ رِوَايَةُ سُفْيَانَ بِمُتَابَعَةِ اثْنَيْنٍ لَهُ بِخِلَافِ شُعْبَةَ ، فَلِذَلِكَ جَزَمَ النُّقَّادُ بِأَنَّ رِوَايَتَهُ أَصَحُّ .
انْتَهَى . فَقَدْ تَحَصَّلَ لَكَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أُمُورٌ ، الْأَوَّلُ : أَنَّ شُعْبَةَ خَالَفَ سُفْيَانَ فِي قَوْلِهِ : خَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ ، وَأَخْطَأَ فِيهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ اتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أَنَّ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ إِذَا اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ رَوَى شُعْبَةُ نَفْسُهُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بِلَفْظِ : فَلَمَّا قَالَ : وَلا الضَّالِّينَ قَالَ : آمِينَ رَافِعًا بِهِ صَوْتَهُ ، وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ تَابَعَ سُفْيَانَ فِي الرَّفْعِ الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَلَمَةَ ، وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ شُعْبَةَ أَحَدٌ فِي الْخَفْضِ ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ شَاذَّةٌ ضَعِيفَةٌ ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى الْإِسْرَارِ بِآمِينَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ .