بَاب مَا يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ
بَابُ مَا يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ ( عَنْ أَبِيهِ ) : وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى الْخُزَاعِيُّ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ . ( يُوتِرُ ) : أَي يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ : أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ . قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا : أَيْ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ .
( وَاللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ) : أَيْ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَهَا . وَزَادَ النَّسَائِيُّ : وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ . وَجَاءَ فِي عِدَّةِ طُرُقٍ أَنَّ السُّوَرَ الثَّلَاثَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ .
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِيتَارِ بِثَلَاثٍ . وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ تَعْيِينِ الْوَصْلِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى ثَلَاثٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ حَسَنٌ جَائِزٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا أَوْ نَقَصَ عَنْهَا . قَالَ : فَأَخَذْنَا بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكْنَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَتَعَقَّبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ طَرِيقٍ ، وَمَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى : لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ تُشْبِهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَبِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَالْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِرُوَاةٍ ثِقَاتٍ : لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ وَلَا تُشْبِهُوا الْوِتْرَ بِثَلَاثٍ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ كَرِهَ الثَّلَاثَ فِي الْوِتْرِ ، وَقَالَ : لَا يُشْبِهُ التَّطَوُّعُ الْفَرِيضَةَ .
فَهَذَا كُلُّهُ يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي زَعَمَهُ ، لَكِنْ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ لَمْ نَجِدْ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خَبَرًا ثَابِتًا صَرِيحًا أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ . نَعَمْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الرَّاوِي هَلْ هِيَ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَفْصُولَةٌ . انْتَهَى .
يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُدُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ ، أَيْ فَيُصَلِّيهِنَّ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُجَابُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ بِاحْتِمَالِ أَنَّ حَدِيثَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْمَرْوِيَّ فِي السُّنَنِ وَحَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا لَمْ يَثْبُتَا عِنْدَهُ . قُلْتُ : هَذَا احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ الْإِيتَارِ بِثَلَاثٍ ، وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى صَلَاةِ الثَّلَاثِ بِتَشَهُّدَيْنِ .
وَقَدْ فَعَلَهُ السَّلَفُ أَيْضًا ، فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَضُ فِي الثَّالِثَةِ مِنَ الْوِتْرِ بِالتَّكْبِيرِ ، يَعْنِي : إِذَا قَامَ مِنْ سُجُودِهِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ قَامَ مُكَبِّرًا مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ لِلتَّشَهُّدِ . وَمِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ عُمَرَ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ لَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ ، وَمَنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَقْعُدُ بَيْنَهُنَّ ، وَمَنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ عن عَطَاءٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ مِثْلُهُ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُمْ أَوْتَرُوا بِثَلَاثٍ كَالْمَغْرِبِ ، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ الْمَذْكُورُ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي حَدِيثِهِمَا : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾انْتَهَى .