بَابُ كَيْفَ يُسْتَحَبُّ التَّرْتِيلُ فِي الْقِرَاءَةِ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ ، وَحَيْوَةُ ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ . ( مَا أَذِنَ اللَّهُ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ اسْتَمَعَ يُقَالُ أَذِنْتُ لِشَيْءٍ أَذِنَ لَهُ أَذَنًا مَفْتُوحَةُ الْأَلِفِ وَالذَّالِ . قَالَ الشَّاعِرُ : إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وَأَذَنْ .
انْتَهَى . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ مَا اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَاسْتِمَاعِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ أَيْ يَتْلُوهُ وَيَجْهَرُ بِهِ ، يُقَالُ مِنْهُ أَذِنَ يَأْذَنُ أَذَنًا بِالتَّحْرِيكِ انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ يَجْهَرُ بِهِ ، زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يَتَغَنَّى بِهِ ، قَالَ وَكُلُّ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِشَيْءٍ مُعْلِنًا بِهِ ، فَقَدْ تَغَنَّى بِهِ ، وَهَذَا وَجْهٌ رَابِعٌ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى أَذِنَ فِي اللُّغَةِ الِاسْتِمَاعُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا قَالُوا : وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُحْمَلَ هَاهُنَا عَلَى الِاسْتِمَاعِ بِمَعْنَى الْإِصْغَاءِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، بَلْ هُوَ مَجَازٌ وَمَعْنَاهُ الْكِنَايَةُ عَنْ تَقْرِيبِهِ لِلْقَارِئِ وَإِجْزَالِ ثَوَابِهِ ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْتَلِفُ فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ .
وَقَوْلُهُ : يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ مَعْنَاهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ وَأَصْحَابِ الْفُنُونِ يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .