بَاب الْكَنْزِ مَا هُوَ وَزَكَاةِ الْحُلِيِّ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ ، نَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَأَى فِي يَدَيَّ فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ فَقَالَ : مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ فَقُلْتُ : صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ قُلْتُ : لَا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : هُوَ حَسْبُكِ مِنْ النَّارِ . ( فَتَخَاتٌ مِنْ وَرَقٍ ) ؛ أَيِ الْخَوَاتِيمِ الْكِبَارِ كَانَتِ النِّسَاءُ يَتَخَتَّمْنَ بِهَا ، وَالْوَاحِدَةُ فَتْخَةٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ حِينَ كَانَ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ حَرَامًا عَلَى النِّسَاءِ ، فَلَمَّا أُبِيحَ ذَلِكَ لَهُنَّ سَقَطَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ حَدِيثِ عَائِشَةَ إِنْ كَانَ ذِكْرُ الْوَرِقِ فِيهِ مَحْفُوظًا ، غَيْرَ أَنَّ رِوَايَةَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي تَرْكِ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنَ الْحُلِيِّ مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِهَا إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى يُوقِعُ رَيْبًا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَرْفُوعَةِ ، وَهِيَ لَا تُخَالِفُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَّا فِيمَا عَلِمْتُهُ مَنْسُوخًا ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ بِهِ ، وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ دُونَ أَبِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَمُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءٍ مَجْهُولٌ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، لَكِنَّهُ لَمَّا نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ ظَنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مَجْهُولٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، انْتَهَى . وَتَبِعَ الدَّارَقُطْنِيَّ فِي تَجْهِيلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فَقَالَ : لَمَّا خَفِيَ عَلَى الدَّارَقُطْنِيِّ أَمْرُهُ فجَعَلَهُ مَجْهُولًا وَتَبِعَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَحَدُ الثِّقَات ، وَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ؛ بَيَّنَهُ شَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ وَهُوَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ إِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، انْتَهَى . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ : وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ، وَالْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، انْتَهَى .
أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَتْ تَلِي بَنَاتِ أَخِيهَا يَتَامَى فِي حِجْرِهَا لَهُنَّ الْحُلِيُّ فَلَا تُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ . وَأَخْرَجَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتَهُ وَجَوَارِيهِ الذَّهَبَ ، ثُمَّ لَا يُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ . وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْحُلِيِّ فَقَالَ : لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ .
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ خَالِدٍ يَسْأَلُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحُلِيِّ أَفِيهِ زَكَاةٌ ؟ قَالَ جَابِرٌ : لَا . فَقَالَ : وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ أَلْفَ دِينَارٍ ؟ فَقَالَ جَابِرٌ : أَكْثَرُ . انْتَهَى ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُحَلِّي بَنَاتِهَا الذَّهَبَ وَلَا تُزَكِّيهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفٍ .
قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ : قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : خَمْسَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا لَا يَرَوْنَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةً : أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَجَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ ، وَأَسْمَاءُ . انْتَهَى . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ ؛ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا فِيهِ الزَّكَاةَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيِّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةَ وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِيهِ زَكَاةً ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الظَّاهِرُ مِنَ الْكِتَابِ يَشْهَدُ لِقَوْلِ مَنْ أَوْجَبَهَا وَالْأَثَرُ يُؤَيِّدُهُ ، وَمَنْ أَسْقَطَهَا ذَهَبَ إِلَى النَّظَرِ وَمَعَهُ طَرَفٌ مِنَ الْأَثَرِ وَالِاحْتِيَاطِ أَدَاؤُهَا ، انْتَهَى . وَفِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحِلْيَةِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا نِصَابَ لَهَا لِأَمْرِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِتَزْكِيَةِ هَذِهِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَكُونُ خَمْسُ أَوَاق فِي الْأَغْلَبِ .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ ؛ الْأَوَّلُ : وُجُوبُ الزَّكَاةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَأَحَدِ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ عَمَلًا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ . وَالثَّانِي : لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحِلْيَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ لِآثَارٍ وَرَدَتْ عَنِ السَّلَفِ قَاضِيَةٍ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا فِي الْحِلْيَةِ وَلَكِنْ بَعْدَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ لَا أَثَرَ لِلْآثَارِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ زَكَاةَ الْحِلْيَةِ عَارِيَتُهَا كَمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ . وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا وُجُوبُهَا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَقُوَّتِهِ ، وَأَمَّا نِصَابُهَا فَعِنْدَ الْمُوجِبِينَ نِصَابُ النَّقْدَيْنِ ، وَظَاهِرُ حَدِيثِهَا الْإِطْلَاقُ وَكَأَنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِأَحَادِيثِ النَّقْدَيْنِ ، وَيُقَوِّي الْوُجُوبَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، انْتَهَى مَا فِي سُبُلِ السَّلَامِ .