بَاب فِي الِاسْتِعْفَافِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ( ح ) وَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَهَذَا حَدِيثُهُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ طَارِقٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى ، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ ( وَهَذَا حَدِيثُهُ ) : أَيْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ ، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْمُبَارَكِ دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ ( مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ ) أَيْ : حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْفَقْرِ وَضِيقِ الْمَعِيشَةِ ( فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ ) : أَيْ عَرَضَهَا عَلَيْهِمْ وَأَظْهَرَهَا بِطَرِيقِ الشِّكَايَةِ لَهُمْ ، وَطَلَبَ إِزَالَةَ فَاقَة مِنْهُمْ - قَالَ الطِّيبِيُّ : يُقَالُ : نَزَلَ بِالْمَكَانِ ، وَنَزَلَ مِنْ عُلُوٍّ ، وَمِنَ الْمَجَازِ نَزَلَ بِهِ مَكْرُوهٌ ، وَأَنْزَلْتُ حَاجَتِي عَلَى كَرِيمٍ ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَنِ اعْتَمَدَ فِي سَدِّهَا عَلَى سُؤَالِهِمْ - ( لَمْ تُسَدُّ فَاقَتُهُ ) : أَيْ لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ وَلَمْ تَزَلْ فَاقَتُهُ ، وَكُلَّمَا تُسَدُّ حَاجَةٌ أَصَابَتْهُ أُخْرَى أَشَدُّ مِنْهَا ، ( وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ ) : بِأَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَوْلَاهُ ( أَوْشَكَ اللَّهُ ) : أَيْ أَسْرَعَ وَعَجَّلَ ( بِالْغِنَى ) : بِالْكَسْرِ مَقْصُورًا ، أَيِ : الْيَسَارِ ، وَفِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ لَهُ بِالْغَنَاءِ ، أَيْ : بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْمَدِّ ، أَيِ : الْكِفَايَةِ . قَالَ شُرَّاحُ الْمَصَابِيحِ : وَرِوَايَةُ : بِالْغِنَى بِالْكَسْرِ مَقْصُورًا عَلَى مَعْنَى الْيَسَارِ تَحْرِيفٌ لِلْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : يَأْتِيهِ الْكِفَايَةُ عَمَّا هُوَ فِيهِ ، انْتَهَى . ( إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ ) : قِيلَ : بِمَوْتِ قَرِيبٍ لَهُ غَنِيٍّ فَيَرِثُهُ .
وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ( أَوْ غِنَى ) : بِكَسْرٍ وَقَصْرٍ ، أَيْ : يَسَارٍ . ( عَاجِلٍ ) : أَيْ بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَالًا وَيَجْعَلَهُ غَنِيًّا . قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ هَكَذَا ، أَيْ : عَاجِلٍ بِالْعَيْنِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ : أَوْ غِنًى آجِلٍ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَهُوَ أَصَحُّ دِرَايَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ انْتَهَى . قُلْتُ : نُسَخُ أَبِي دَاوُدَ الَّتِي عِنْدِي فِي كُلِّهَا عَاجِلٍ بِالْعَيْنِ ، وَكَذَا فِي نُسَخِ الْمُنْذِرِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .