حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي الِاسْتِعْفَافِ

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، نَا لَيْثٌ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ السَّاعِدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا ، وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ فَقُلْتُ : إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ ، وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ قَالَ : خُذْ مَا أُعْطِيتَ ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَمَّلَنِي فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ ، وَتَصَدَّقْ ( عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ ) : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الصَّوَابُ ابْنُ السَّعْدِيِّ ، وَاسْمُهُ قُدَامَةُ ، وَقِيلَ : عَمْرٌو ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ : السَّعْدِيُّ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَرْضَعَ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَأَمَّا السَّاعِدِيُّ فَلَا يُعْرَفُ لَهُ وَجْهٌ ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ . ( بِعُمَالَةٍ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْعُمَالَةُ بِالضَّمِّ رِزْقُ الْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ ( فَعَمَّلَنِي ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، أَيْ : أَعْطَانِي أُجْرَةَ عَمَلٍ ، وَجَعَلَ لِيَ عُمَالَةً ( مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا حُصِّلَ مِنَ الْمَالِ عَنْ مَسْأَلَةٍ . وَفِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ عَمَلَ السَّاعِي سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ كَمَا أَنَّ وَصْفَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ هُوَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ هُوَ السَّبَبُ اقْتَضَى قِيَاسُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي مُقَابَلَتِهِ أُجْرَةٌ ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ تَبَعًا لَهُ : إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ .

وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى التَّبَرُّعَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ( فَكُلْ وَتَصَدَّقْ ) : هَنِيئًا مَرِيئًا ، وَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى أَكْلِهِ فَتَصَدَّقْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ . وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ ، عَنْ عُمَرَ ، فَاجْتَمَعَ فِي إِسْنَادِهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَتْ كَذَلِكَ .

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ . وَلَمْ يَكُنْ سَعْدِيًّا ، فَإِنَّمَا قِيلَ لِأَبِيهِ : السَّعْدِيُّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ مَالِكِيٌّ مِنْ مَالِكِ بْنِ حَنْبَلٍ . وَاسْمُ السَّعْدِيِّ عَمْرُو بْنُ وَقْدَانَ ، وَقِيلَ : قُدَامَةُ بْنُ وَقْدَانَ ، وَأَمَّا السَّاعِدِيُّ فَنِسْبَةً إِلَى بَنِي سَاعِدَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْخَزْرَجِ وَلَا وَجْهَ لَهُ هَاهُنَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نُزُولٌ أَوْ حِلْفٌ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .

وَقَوْلُهُ : فَعَمَّلَنِي بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا ، أَيْ : جَعَلَ لَهُ الْعُمَالَةَ وَهِيَ ، أُجْرَةُ الْعَمَلِ ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ وَوِلَايَاتِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ . قِيلَ : وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي الصَّدَقَاتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ عَلَى أَغْنِيَاءِ النَّاسِ وَفُقَرَائِهِمْ ، وَاسْتُشْهِدَ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فَتَمَوَّلْهُ ، وَقَالَ : الْفَقِيرُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يَتَّخِذُهُ مَالًا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَوْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ ، بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ وَإِرْشَادٍ ، فَقِيلَ : هُوَ نَدْبٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُلِّ مَنْ أُعْطِيَ عَطِيَّةً كَانَتْ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ عَامِلٍ صَالِحًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ عَطِيَّتُهُ ، حَكَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَقِيلَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَدْبٌ إِلَى قَبُولِ عَطِيَّةِ غَيْرِ السُّلْطَانِ ، فَأَمَّا السُّلْطَانُ فَبَعْضُهُمْ مَنَعَهَا وَبَعْضُهُمْ كَرِهَهُا ، وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ نَدْبٌ لِقَبُولِ هَدِيَّةِ السُّلْطَانِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَصِّصُ وَجْهًا مِنَ الْوُجُوهِ .

انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث