كِتَاب اللُّقَطَةِ
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَا : نَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، عَنْ بُكَيْرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ قَالَ أَحْمَدُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَعْنِي فِي لُقَطَةِ الْحَاجِّ يَتْرُكُهَا حَتَّى يَجِدَهَا صَاحِبُهَا ، قَالَ ابْنُ مَوْهَبٍ ، عَنْ عَمْرٍو . ( نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ ) : قَالَ فِي السُّبُلِ أَيْ عن الْتِقَاطِ الرَّجُلِ مَا ضَاعَ لِلْحَاجِّ ، وَالْمُرَادُ مَا ضَاعَ فِي مَكَّةَ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عِنْدَهُمَا أَيْضًا بِلَفْظِ : وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ نَهَى عَنِ التِقَاطِهَا لِلتَّمَلُّكِ لَا لِلتَّعْرِيفِ بِهَا ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ لُقَطَةُ الْحَاجِّ بِذَلِكَ لِإِمْكَانِ إِيصَالِهَا إِلَى أَرْبَابِهَا إِنْ كَانَتْ لِمَكِّيٍّ ، فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَتْ لِآفَاقِيٍّ فَلَا يَخْلُو فِي الْغَالِبِ مِنْ وَارِدٍ مِنْهُ إِلَيْهَا ، فَإِذا عَرَّفَهَا وَاجِدُهَا فِي كُلِّ عَامٍّ سَهُلَ التَّوَصُّلُ إِلَى مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَقَالَ جَمَاعَةٌ : هِيَ كَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ ، وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ مَكَّةُ بِالْمُبَالَغَةِ بِالتَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ يَرْجِعُ إِلَى بَلَدِهِ ، وَقَدْ لَا يَعُودُ ، فَاحْتَاجَ الْمُلْتَقِطُ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ بِهَا ، وَالظَّاهِرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، وَأَنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ هَذَا مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْتِقَاطُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ، فَالَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ لُقَطَةُ مَكَّةَ أَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ إِلَّا لِلتَّعْرِيفِ بِهَا أَبَدًا ، فَلَا يَجُوزُ لِلتَّمَلُّكِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثِ فِي لُقَطَةِ الْحَاجِّ مُطْلَقًا فِي مَكَّةَ وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ هُنَا مُطْلَقٌ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهَا فِي مَكَّةَ انْتَهَى كَلَامُ السُّبُلِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ : أَرَادَ لُقَطَةَ حَرَمِ مَكَّةَ ، أَيْ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ ، بَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أَنْ يَحْفَظَهَا أَبَدًا لِمَالِكِهَا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ لُقَطَةِ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى ( قَالَ أَحْمَدُ ) بْنُ صَالِحٍ ( قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ) : فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ( يَعْنِي فِي لُقَطَةِ الْحَاجِّ يَتْرُكُهَا ) : الْوَاجِدُ وَلَا يَأْخُذُهَا ( حَتَّى يَجِدَهَا ) : أَيِ اللُّقَطَةَ ( صَاحِبُهَا ) : صَاحِبُ اللُّقَطَةِ . وَقَدْ تَعَقَّبَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ : وَلَا عَمَلَ عَلَى هَذَا فِي هَذَا الزَّمَانِ لِفَشْوِ السَّرِقَةِ بِمَكَّةَ مِنْ حَوَالَيِ الْكَعْبَةِ فَضْلًا عَنِ الْمَتْرُوكِ انْتَهَى . قَالَ فِي الْغَايَةِ : وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ حَسَنٌ جِدًّا ( قَالَ ابْنُ مَوْهِبٍ عَنْ عَمْرٍو ) : بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ ، وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ فَقَالَ : أَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، وَلَيْسَ فِيهِ كَلَامُ ابْنِ وَهْبٍ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ لُقَطَةً فِي الْحَرَمِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إِلَّا لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا ، وَلْيُعَرِّفْهَا بِخِلَافِ لُقَطَةِ سَائِرِ الْبِلَادِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِلتَّمْلِيكِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ حُكْمَ لُقَطَةِ مَكَّةَ حُكْمُ لُقَطَةِ سَائِرِ الْبِلَادِ ، انْتَهَى .