بَاب طَوَافِ الْقَارِنِ
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ أَنَا الشَّافِعِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجَّتِكِ ، وَعُمْرَتِكِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : كَانَ سُفْيَانُ رُبَّمَا قَالَ : عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَرُبَّمَا قَالَ : عَنْ عَطَاءٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . ( قَالَ لَهَا : طَوَافُكِ إِلَخْ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا مَرَّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ : ابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَعَائِشَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمْ . وَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ ، وَالْأَحَادِيثُ مُتَوَارِدَةٌ عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا .
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالطَّوَافَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ التَّمَامَ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَطُفْ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا . وَقَدِ اكْتَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ وَكَانَ قَارِنًا كَمَا هُوَ الْحَقُّ . وَاعْلَمْ أَنَّ عَائِشَةَ كانت قَدْ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ ، وَلَكِنَّهَا حَاضَتْ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : ارْفُضِي عُمْرَتَكِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى رَفْضِهَا إِيَّاهَا رَفْضُ الْعَمَلِ فِيهَا وَإِتْمَامُ أَعْمَالِهَا الَّتِي هِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَتَقْصِيرُ شَعْرِ الرَّأْسِ ، فَأَمَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِعْرَاضِ عَنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ ، وَأَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَتَصِيرَ قَارِنَةً ، وَتَقِفُ بِعَرَفَاتٍ ، وَتَفْعَلُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ فَتُؤَخِّرُهُ حَتَّى تَطْهُرَ . وَمِنْ أَدِلَّةِ أَنَّهَا صَارَتْ قَارِنَةً قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لَهَا : طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ الْحَدِيثَ . فَإِنَّهُ صَرِيحٌ أَنَّهَا كَانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ .
وَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ارْفُضِي عُمْرَتَكِ بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، فَلَيْسَ مَعْنَى ارْفُضِي الْعُمْرَةَ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَإِبْطَالُهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، فَإِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِالتَّحَلُّلِ مِنْهُمَا بَعْدَ فَرَاغِهِمَا ، قَالَهُ فِي سُبُلِ السَّلَامِ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ طَاوُسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ حَلَفَ مَا طَافَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَافَ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ قَالَ أنَّهُ سَنَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَأَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ رَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ ، يَعْنِي الَّذِي طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ لِلْإِفَاضَةِ ، وَقَالَ : كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ الْحَافِظُ : وَطُرُقُهُ ضَعِيفَةٌ ، وَكَذَا رَوَى نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ أَصْلًا .
وَتَعَقَّبَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ لَا بَأْسَ بِهَا ، انْتَهَى . فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَى الْجَمْعِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ طَافَ طَوَافَيْنِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ ، وَأَمَّا السَّعْيُ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يَثْبُتِ ، انْتَهَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنَاهُ .