حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نَا يَحْيَى ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، نَا عَامِرٌ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَوْقِفِ يَعْنِي بِجَمْعٍ قُلْتُ : جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مِنْ جَبَلَيْ طَيٍّ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي ، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي ، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، وَقَضَى تَفَثَهُ ( ابْنُ مُضَرِّسٍ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ ( بِجَمْعٍ ) : أَيْ بِالْمُزْدَلِفَةِ ( مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ ) : هُمَا جَبَلُ سَلْمَى ، وَجَبَلُ أَجَأَ . قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَطَيِّئٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ( أَكَلَلْتُ مَطِيَّتِي ) : أَيْ أَعْيَيْتُ دَابَّتِي ( مِنْ حَبْلٍ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ أَحَدُ حِبَالِ الرَّمْلِ ، وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ فَاسْتَطَالَ وَارْتَفَعَ .

قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ . ( هَذِهِ الصَّلَاةَ ) : يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ بِمُزْدَلِفَةَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَظَاهِرُ قَوْلِهِ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ شَرْطٌ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُهُودِهِ جَمْعًا .

وَقَدْ قَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ عَلْقَمَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ : إِذَا فَاتَهُ جَمْعٌ وَلَمْ يَقِفْ بِهِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَيَجْعَلُ إِحْرَامَهُ عُمْرَةً ، وَمِمَّنْ تَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيُّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَهَذَا نَصٌّ وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ ، فَتَرْكُهُ لَا يَجُوزُ بِوَجْهٍ . وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : إِنْ فَاتَهُ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالْوُقُوفُ بِهَا أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ ، انْتَهَى كَلَامُهُ ( لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ) : تَمَسَّكَ بِهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ : وَقْتُ الْوُقُوفِ لَا يَخْتَصُّ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ ، بَلْ وَقْتُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَطُلُوعِهِ يَوْمَ الْعِيدِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مُطْلَقَانِ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهَارِ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ لَمْ يَقِفُوا إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ وَقَفَ قَبْلَهُ ، فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا الْفِعْلَ مُقَيِّدًا لِذَلِكَ الْمُطْلَقِ ( فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ) : فَاعِلُ تَمَّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ بِهِ مُعْظَمَ الْحَجِّ وَهُوَ الْوُقُوفُ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَوَاتُ ، فَأَمَّا طَوَافُ الزِّيَارَةِ فَلَا يُخْشَى فَوَاتُهُ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ : الْحَجُّ عَرَفَةُ أَيْ : مُعْظَمُ الْحَجِّ هُوَ الْوُقُوفُ ( وَقَضَى ) : ذَلِكَ الْحَاجُّ ( تَفَثَهُ ) : مَفْعُولُ قَضَى قِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ التَّفَثَ مَا يَصْنَعُهُ الْمُحْرِمُ عِنْدَ حِلِّهِ مِنْ تَقْصِيرِ شَعْرٍ أَوْ حَلْقِهِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَغَيْرِهِ مِنْ خِصَالِ الْفِطْرَةِ ، وَيَدْخُلُ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ نَحْرُ الْبُدْنِ وَقَضَاءُ جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي التَّفَثَ إِلَّا بَعْدَ ذَلِكَ .

وَأَصْلُ التَّفَثِ : الْوَسَخُ وَالْقَذَرُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ وَقْفَةً بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : النَّهَارُ تَبِعَ اللَّيْلَ فِي الْوُقُوفِ ، فَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ هَدْيٌ مِنَ الْإِبِلِ ، وَحَجَّةٌ تَامَّةٌ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : مَنْ صَدَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَحَجَّةٌ تَامَّةٌ ، كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ .

وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : فَمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا رَجَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَوَقَفَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ . انْتَهَى .

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ الشَّعْبِيُّ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .

قُلْتُ : عَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ ، وَهُوَ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الْمُضَرِّسِ ، فَكَيْفَ يُقَالُ : عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ الشَّعْبِيُّ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ عَلَى شَرْطِهِمَا ، كَذَا فِي الشَّرْحِ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث