بَاب فِي رَمْيِ الْجِمَارِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حَنْبَلٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى ، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ( ضُحًى ) : أَيْ قَبْلَ الزَّوَالِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : لَا خِلَافَ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ هُوَ الْأَحْسَنُ لِرَمْيِهَا . وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ .
وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ : إِنَّهُ لَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَمَنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ ، وَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرْمِيَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ ، وَمَنْ رَمَاهَا حِينَئِذٍ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ ، انْتَهَى . وَالْأَدِلَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِمَنْ كَانَ لَا رُخْصَةَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ رُخْصَةٌ كَالنِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ مِنَ الضَّعَفَةِ جَازَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ النَّحْرِ إِجْمَاعًا .
وَاعْلَمْ أَنْ قَدْ قِيلَ : إِنَّ الرَّمْيَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ ، كَمَا حَكَى ذَلِكَ بَعْضٌ ، وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْفَتْحِ عَلَى حِكَايَةِ الْوُجُوبِ عَنِ الجُمْهُورِ . وَقَالَ : إِنَّهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سُنَّةٌ وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّ الرَّمْيَ إِنَّمَا شُرِعَ حِفْظًا لِلتَّكْبِيرِ فَإِنْ تَرَكَهُ وَكَبَّرَ أَجْزَأَهُ . وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بَيَانٌ لِمُجْمَلٍ وَاجِبٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ .