بَاب الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا خَالِدٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسْأَلُ يَوْمَ مِنًى فَيَقُولُ : لَا حَرَجَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ : اذْبَحْ ، وَلَا حَرَجَ قَالَ : إِنِّي أَمْسَيْتُ وَلَمْ أَرْمِ قَالَ : ارْمِ ، وَلَا حَرَجَ ( كَانَ يُسْأَلُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( يَوْمَ مِنًى ) : أَيْ عَنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَتَأْخِيرِهَا ( فَيَقُولُ لَا حَرَجَ ) . قَالَ الطِّيبِيُّ : أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ : رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ الذَّبْحُ ، ثُمَّ الْحَلْقُ ، ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ ، فَقِيلَ : هَذَا التَّرْتِيبُ سُنَّةٌ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ دَمٌ . وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ : إِنَّهُ وَاجِبٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ، وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : وَلَا حَرَجَ عَلَى دَفْعِ الْإِثْمِ لِجَهْلِهِ دُونَ الْفِدْيَةِ انْتَهَى .
قُلْتُ : الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا عَلَى بَعْضِ ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ كَمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي . قَالَ فِي الْفَتْحِ : إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ انْتَهَى . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الدَّمِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ إِلَى الْجَوَازِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ قَالُوا : لِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَا حَرَجَ يَقْتَضِي رَفْعَ الْإِثْمِ وَالْفِدْيَةِ مَعًا ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ نَفْيُ الضِّيقِ ، وَإِيجَابُ أَحَدِهِمَا فِيهِ ضِيقٌ .
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الدَّمُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ . قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَأَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ . ( إِنِّي أَمْسَيْتُ ) : الْمَسَاءُ خِلَافُ الصَّبَاحِ .
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْمَسَاءُ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَالْمَعْنَى أَنِّي دَخَلْتُ فِي الْمَسَاءِ وَلَمْ أَرْمِ وَكَانَ عَلَيَّ الرَّمْيُ قَبْلَ الزَّوَالِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .