بَاب تَحْرِيمِ مَكَّةَ
بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، نَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مَكَّةَ قَامَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا تَحِلُّ لُقْطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ فَقَالَ عَبَّاسٌ أَوْ قَالَ : قَالَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَزَادَ فِيهِ ابْنُ الْمُصَفَّى ، عَنْ الْوَلِيدِ فَقَامَ أَبُو شَاهٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اكْتُبُوا لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ : مَا قَوْلُهُ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ قَالَ : هَذِهِ الْخُطْبَةُ الَّتِي سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَاب تَحْرِيمِ مَكَّةَ ( ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ ) أَيْ : مَنَعَ الْفِيلَ عَنْ تَعَرُّضِهِ ( وَسَلَّطَ عَلَيْهَا ) أَيْ : عَلَى مَكَّةَ ( وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ : دَلَّ عَلَى أَنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كَانَ عَنْوَةً وَقَهْرًا كَمَا هُوَ عِنْدنَا ، أَيْ : أُحِلَّ لِي سَاعَةً أَيْ زَمَانًا قَلِيلًا إِرَاقَةُ الدَّمِ دُونَ الصَّيْدِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ . وَفِي زَادِ الْمَعَادِ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ إِلَّا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، انْتَهَى .
( هِيَ ) أَيْ : مَكَّةُ ( حَرَامٌ ) أَيْ : عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بَعْدَ تِلْكَ السَّاعَةِ ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) أَيِ : النَّفْخَةِ الْأُولَى ( لَا يُعْضَدُ ) أَيْ : لَا يُقْطَعُ ( شَجَرُهَا ) أَيْ : وَلَوْ يَحْصُلُ التَّأَذِّي بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ : إِنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُ الشَّوْكِ الْمُؤْذِي فَمُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ ، وَلِذَا جَرَى جَمْعٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ عَلَى حُرْمَةِ قَطْعِهِ مُطْلَقًا ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَاخْتَارَهُ فِي عِدَّةِ كُتُبِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ : كُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إِبَاحَةِ قَطْعِ الشَّوْكِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْظُورُ مِنْهُ الشَّوْكَ الَّذِي يَرْعَاهُ الْإِبِلُ وَهُوَ مَا دَقَّ دُونَ الصُّلْبِ الَّذِي لَا تَرْعَاهُ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْحَطَبِ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ عُلَمَاءَ الْمَالِكِيَّةِ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ .
( وَلَا يُنَفَّرُ ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ ( صَيْدُهَا ) أَيْ : لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِالِاصْطِيَادِ وَالْإِيحَاشِ وَالْإِيهَاجِ ( لُقَطَتُهَا ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ سَاقِطَتُهَا ( إِلَّا لِمُنْشِدٍ ) أَيْ : مُعَرِّفٍ ، أَيْ : لَا يَلْتَقِطُهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ وَانْتِفَاعِهَا . قِيلَ : أَيْ لَيْسَ فِي لُقَطَةِ الْحَرَمِ إِلَّا التَّعْرِيفَ ، فَلَا يَتَمَلَّكُهَا أَحَدٌ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهَا . وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَقِيلَ : حُكْمُهَا كَحُكْمِ غَيْرِهَا .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهَا أَنْ لَا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُ تَعْرِيفِهَا بِأَيَّامِ الْمَوْسِمِ ، وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ . ( إِلَّا الْإِذْخِرَ ) بِالنَّصْبِ ، أَيْ : قُلْ : إِلَّا الْإِذْخِرَ ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ ، وَهُوَ نَبْتٌ عَرِيضُ الْأَوْرَاقِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ يسْقَفُ بِهَا الْبُيُوتُ فَوْقَ الْخَشَبِ . ( فَقَامَ أَبُو شَاهٍ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِهَاءٍ ، وَتَكُونُ هَاءً فِي الْوَقْفِ وَالدَّرْجِ ، وَلَا يُقَالُ بِالتَّاءِ .
قَالُوا : وَلَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِي شَاهٍ هَذَا وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِكُنْيَتِهِ ( اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ غَيْرَ الْقُرْآنِ . وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَا عِنْدنَا إِلَّا مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ . وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ .
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ . وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ كِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ ، فَمِنَ السَّلَفِ مَنْ مَنَعَ كِتَابَةَ الْعِلْمِ . وَقَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ بِجَوَازِهِ ، ثُمَّ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ بَعْدَهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ بِجَوَابَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَكَانَ النَّهْيُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ اشْتِهَارِ الْقُرْآنِ لِكُلِّ أَحَدٍ ، فَنَهَى عَنْ كِتَابَةِ غَيْرِهِ خَوْفًا مِنِ اخْتِلَاطِهِ وَاشْتِبَاهِهِ ، فَلَمَّا اشْتَهَرَ وَأُمِنَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ أَذِنَ فِيهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِمَنْ وُثِقَ بِحِفْظِهِ وَخِيفَ اتِّكَالُهُ عَلَى الْكِتَابَةِ ، وَالْإِذْنُ لِمَنْ لَمْ يُوثَقْ بِحِفْظِهِ ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .