بَاب فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، نَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، نَا هَمَّامٌ ، نَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمَنْ أَشَادَ بِهَا ، وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ . ( قَالَ : لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ) أَيْ : لَا يُقْطَعُ كَلَؤُهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى يُخْتَلَى يُؤْخَذُ وَيُقْطَعُ ، وَالْخَلَاء بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورًا هُوَ الرَّطْبُ مِنَ الْكَلَأِ ، قَالُوا : الْخَلَاء وَالْعُشْبُ اسْمٌ لِلرَّطْبِ مِنْهُ ، وَالْحَشِيشُ وَالْهَشِيمُ اسْمُ الْيَابِسِ مِنْهُ ، وَالْكَلَأُ مَهْمُوزًا يَقَعُ عَلَى الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ .
( وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ) وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ التَّنْفِيرِ وَهُوَ الْإِزْعَاجُ وَتَنْحِيَتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، فَإِنْ نَفَّرَهُ عَصَى سَوَاءً تَلِفَ أَمْ لَا ، لَكِنْ إِنْ تَلِفَ فِي نِفَارِهِ قَبْلَ سُكُونِ نِفَارِهِ ضَمِنَهُ الْمُنَفِّرُ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : نَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالتَّنْفِيرِ عَلَى الْإِتْلَافِ وَنَحْوِهِ ، لِأَنَّهُ إِذَا حَرُمَ التَّنْفِيرُ فَالْإِتْلَافُ أَوْلَى . قَالَهُ النَّوَوِيُّ .
( أَشَادَ بِهَا ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، أَيْ : رَفَعَ صَوْتَهُ بِتَعْرِيفِهَا أَبَدًا لَا سَنَةً ، يُقَالُ : أَشَادَهُ وَأَشَادَ بِهِ إِذَا أَشَاعَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ . كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَفِي بَعْضِهَا أَنْشَدَهَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ .
الْمُنْشِدُ هُوَ الْمُعَرِّفُ ، وَأَمَّا طَالِبُهَا فَيُقَالُ لَهُ نَاشِدٌ . وَأَصْلُ النَّشْدِ وَالإنِّشَادِ رَفْعُ الصَّوْتِ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُعَرِّفَهَا سَنَةً ثُمَّ يَتَمَلَّكَهَا كَمَا فِي بَاقِي الْبِلَادِ ، بَلْ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا أَبَدًا وَلَا يَتَمَلَّكُهَا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا بَعْدَ تَعَرُّفِهَا سَنَةً كَمَا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ . وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله . قَالَهُ النَّوَوِيُّ .
( وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ ) قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : هَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةَ ، فَإِنْ كَانَتْ حَاجَةً جَازَ . ( وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ ) اسْتُدِلَّ بِهَذَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى تَحْرِيمِ شَجَرِهَا وَخَبْطِهِ وَعَضْدِهِ وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا وَتَنْفِيرِهِ . الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمَدِينَةِ حَرَمًا كَحَرَمِ مَكَّةَ يَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ : فَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا أَوْ قَطَعَ شَجَرًا فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلنُّسُكِ فَأَشْبَهَ الْحِمَى . وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ كَحَرَمِ مَكَّةَ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ : كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحَرَمٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْأَحْكَامُ مِنْ تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ ، وَالْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ .
( إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ ، وَالْعَلَفُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ : اسْمُ الْحَشِيشِ ، أَيْ : مَا تَأْكُلُهُ الدَّابَّةُ ، وَبِسُكُونِ اللَّامِ مَصْدَرُ عَلَفْتُ عَلْفًا . وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ لِلْعَلَفِ لَا لِغَيْرِهِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .