بَاب مَا يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْنَى قَالَ أَحْمَدُ ، نَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَلَا آذَنُ ، ثُمَّ لَا آذَنُ ، ثُمَّ لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي ، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا ، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا وَالْإِخْبَارُ فِي حَدِيثِ أَحْمَدَ . ( إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَاشِمُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَالصَّوَابُ هِشَامٌ ؛ لِأَنَّهُ جَدُّ الْمَخْطُوبَةِ ، وَبَنُو هِشَامٍ هُمْ أَعْمَامُ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ ؛ لِأَنَّهُ أَبُو الْحَكَمُ عَمْرُو بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَقَدْ أَسْلَمَ أَخُوهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَسَلَمَةُ ابْنُ هِشَامٍ عَامَ الْفَتْحِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمَا . وَمِمَّنْ يَدْخُلُ فِي إِطْلَاقِ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ، وَقَدْ أَسْلَمَ أَيْضًا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ .
( اسْتَأْذَنُوا ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ اسْتَأْذَنُونِي . ( فَلَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ) : كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَأْيِيدِ مُدَّةِ مَنْعِ الْإِذْنِ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ رَفْعَ الْمَجَازَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُحْمَلَ النَّفْيُ عَلَى مُدَّةٍ بِعَيْنِهَا ، فَقَالَ : ثُمَّ لَا آذَنُ أَيْ وَلَوْ مَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَفْرُوضَةُ تَقْدِيرًا لَا آذَنُ بَعْدَهَا ، ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا .
( فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قِطْعَةٌ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهَا كَانَتْ أُصِيبَتْ بِأُمِّهَا ثُمَّ بِأَخَوَاتِهَا وَاحِدَةٌ بَعْدَ وَاحِدَةٍ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَنْ تَسْتَأْنِسُ بِهِ مِمَّنْ يُخَفِّفُ عَلَيْهَا الْأَمْرَ مِمَّنْ تُفْضِي إِلَيْهِ بِسِرِّهَا إِذَا حَصَلَتْ لَهَا الْغَيْرَةُ . ( يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا ) : كَذَا هُنَا مِنْ أَرَابَ رُبَاعِيًّا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا مِنْ رَابَ ثُلَاثِيًّا .
قَالَ النَّوَوِيُّ : يَرِيبُنِي بِفَتْحِ الْيَاءِ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : الرَّيْبُ : مَا رَابَكَ مِنْ شَيْءٍ خِفْتَ عُقْبَاهُ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : رَابَ وَأَرَابَ بِمَعْنًى . وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : رَابَنِي الْأَمْرُ : تَيَقَّنْتُ مِنَ الرِّيبَةِ ، وَأَرَابَنِي : شَكَّكَنِي وَأَوْهَمَنِي .
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ أَيْضًا وَغَيْرِهِ كَقَوْلِ الْفَرَّاءِ ، انْتَهَى . ( وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا ) : مِنَ الْإِيذَاءِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فَاطِمَةَ لَوْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ عَلِيٌّ مِنَ التَّزْوِيجِ بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا .
وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ أَذَى مَنْ يَتَأَذَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَأَذِّيهِ ؛ لِأَنَّ أَذَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَامٌ اتِّفَاقًا قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّهُ يُؤْذِيهِ مَا يُؤْذِي فَاطِمَةَ ، فَكُلُّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ شَيْءٌ فَتَأَذَّتْ بِهِ فَهُوَ يُؤْذِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَهَادَةِ هَذَا الْخَبَرِ الصَّحِيحِ . وَلَا شَيْءَ أَعْظَمَ فِي إِدْخَالِ الْأَذَى عَلَيْهَا مِنْ قَتْلِ وَلَدِهَا ، وَلِهَذَا عُرِفَ بَالِاسْتِقْرَاءِ مُعَاجَلَةُ مَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ بَالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ . وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِسَدِّ الذَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ حَلَالٌ لِلرِّجَالِ مَا لَمْ يُجَاوِزِ الْأَرْبَعَ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَالِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فِي الْمَالِ .
وَفِيهِ بَقَاءُ عَارِ الْآبَاءِ فِي أَعْقَابِهِمْ ؛ لِقَوْلِهِ : بِنْتِ عَدُوِّ اللَّهِ ، فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ لِلْوَصْفِ تَأْثِيرًا فِي الْمَنْعِ مَعَ أَنَّهَا هِيَ كَانَتْ مُسْلِمَةً حَسَنَةَ الْإِسْلَامِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا .