بَاب الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ يُرِيدُ تَزْوِيجَهَا
بَابٌ : فِي الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ يُرِيدُ تَزْوِيجَهَا حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ قَالَ : فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا . بَاب الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ يُرِيدُ تَزْوِيجَهَا ( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ ) : أَيْ أَرَادَ خِطْبَتَهَا وَهِيَ بِكَسْرِ الْخَاءِ مُقَدِّمَاتُ الْكَلَامِ فِي أَمْرِ النِّكَاحِ عَلَى الْخُطْبَةِ بَالضَّمِّ وَهِيَ الْعَقْدُ . ( فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا ) : أَيْ عُضْوٌ .
( يَدْعُوهُ ) : أَيْ يَحْمِلُهُ وَيَبْعَثُهُ . ( فَلْيَفْعَلْ ) : الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ بِقَرِينَةِ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ : إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا ، الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِذَا أَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ اسْتِحْبَابُ النَّظَرِ إِلَى مَنْ يُرِيدُ تَزَوُّجَهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ ، وَأَحْمَدُ ، وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ .
وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ قَوْمٍ كَرَاهَتَهُ ، وَهَذَا خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ لِلْحَاجَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَالشِّرَى وَالشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا ، ثُمَّ إِنَّهُ إِنَّمَا يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بَالْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ أَوْ ضِدِّهِ وَبَالْكَفَّيْنِ عَلَى خُصُوبَةِ الْبَدَنِ أَوْ عَدَمِهَا ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَنْظُرُ إِلَى مَوَاضِعِ اللَّحْمِ . وَقَالَ دَاوُدُ : يَنْظُرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا ، وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ مُنَابِذٌ لِأُصُولِ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، ثُمَّ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ هَذَا النَّظَرِ رِضَاهَا ، بَلْ لَهُ ذَلِكَ فِي غَفْلَتِهَا وَمِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ إِعْلَامٍ ، لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ النَّظَرَ فِي غَفْلَتِهَا مَخَافَةً مِنْ وُقُوعِ نَظَرِهِ عَلَى عَوْرَةٍ .
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ أَنَّهُ : لَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَشْتَرِطِ اسْتِئْذَانَهَا ؛ وَلِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي غَالِبًا مِنَ الْإِذْنِ ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا فَرُبَّمَا رَآهَا فَلَمْ تُعْجِبْهُ فَيَتْرُكُهَا فَتَنْكَسِرُ وَتَتَأَذَّى ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ إِلَيْهَا قَبْلَ الْخِطْبَةِ حَتَّى إِنْ كَرِهَهَا تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ إِيذَاءٍ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَرَكَهَا بَعْدَ الْخِطْبَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى . ( فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ ) : أَيْ أَخْتَفِي . ( مَا دَعَانِي ) : أَيْ حَمَلَنِي .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا : الشَّافِعِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالْبَزَّارُ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِوَاقِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَالَ : الْمَعْرُوفُ وَاقِدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَرِوَايَةُ الْحَاكِمِ فِيهَا وَاقِدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَكَذَا رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ الْمَذْكُورُ .
قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ رِجَالُ أَحْمَدَ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ سَكَتَ عَنْهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .