بَاب فِي الثَّيِّبِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُوهَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ . ( وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا ) : ظَاهِرُهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِهَا . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَبِ يُزَوِّجُ الْبِكْرَ الْبَالِغَ بِغَيْرِ إِذْنِهَا ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ : يُشْتَرَطُ اسْتِئْذَانُهَا ، فَلَوْ عُقِدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لَمْ يَصِحَّ .
وَقَالَ الْآخَرُونَ : يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَهَا ، وَلَوْ كَانَتْ بَالِغًا بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَفْهُومُ حَدِيثِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّيِّبَ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وَلِيَّ الْبِكْرِ أَحَقُّ بِهَا مِنْهَا . قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ : يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَا يَنْتَهِضُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْطُوقِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا : تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا ، قَالَ : فَقَيَّدَ ذَلِكَ بَالْيَتِيمَةِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْتُهُ بِلَفْظِ : يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا ، فَنَصَّ عَلَى ذِكْرِ الْأَبِ .
وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْمُؤَامَرَةَ قَدْ تَكُونُ عَنِ اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : وَآمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأُمِّ أَمْرٌ لَكِنَّهُ عَلَى مَعْنَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : زِيَادَةُ ذِكْرِ الْأَبِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : زَادَهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ يُزَوِّجُونَ الْأَبْكَارَ لَا يَسْتَأْمِرُونَهُنَّ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَالْمَحْفُوظُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ ، وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ بِلَفْظِ : وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَالْبِكْرِ الْيَتِيمَةُ . قُلْتُ : وَهَذَا لَا يَدْفَعُ زِيَادَةَ الثِّقَةِ الْحَافِظِ بِلَفْظِ الْأَبِ .
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : بَلِ الْمُرَادُ بَالْيَتِيمَةِ الْبِكْرُ ، لَمْ يَدْفَعْ . وَتُسْتَأْمَرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَبُ وَغَيْرُهُ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ أَوْ مُسْتَحَبٌّ عَلَى مَعْنَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُوهَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : هَذَا مِنْ سُفْيَانَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَزِيَادَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ أَخْرَجَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ .