بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، فَأَصَبْنَا سَبايا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ، وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ، ثُمَّ قُلْنَا : نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ ( فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ؛ قَبِيلَةٌ مِنْ بَنِي خُزَاعَةَ مِنَ الْعَرَبِ . ( فَأَصَبْنَا سَبَايَا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ يَجْرِي عَلَيْهِمُ الرِّقُّ إِذَا كَانُوا مُشْرِكِينَ لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَبِيلَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : لَا يَجْرِي عَلَيْهِمُ الرِّقُّ لِشَرَفِهِمْ .
( وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ؛ أَيْ قِلَّةُ الْجِمَاعِ ( وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ ) ؛ أَيِ احْتَجْنَا إِلَى الْوَطْءِ وَخِفْنَا مِنَ الْحَبَلِ فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا وَأَخْذُ الْفِدَاءِ فِيهَا ( فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ) ؛ أَيْ مِنَ السَّبَايَا مَخَافَةَ الْحَبَلِ ( ثُمَّ قُلْنَا ) ؛ أَيْ فِي أَنْفُسِنَا أَوْ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ ( نَعْزِلُ ) بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ ( وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا ؟ ) ؛ أَيْ بَيْنَنَا ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ ( فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ ) ؛ أَيْ عَنِ الْعَزْلِ أَوْ جَوَازِهِ ، ( مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا . إِلَخْ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ مَا عَلَيْكُمْ ضَرَرٌ فِي تَرْكِ الْعَزْلِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ قَدَّرَ اللَّهُ خَلْقَهَا لَا بُدَّ أَنْ يَخْلُقَهَا سَوَاءٌ عَزَلْتُمْ أَمْ لَا ، وَمَا لَمْ يُقَدِّرْ خَلْقَهَا لَا يَقَعُ سَوَاءٌ عَزَلْتُمْ أَمْ لَا ، فَلَا فَائِدَةَ فِي عَزْلِكُمُ ، انْتَهَى . قَالَ فِي النَّيْلِ : وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا .
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : هَذَا أَقْرَبُ إِلَى النَّهْيِ . وَحَكَى ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : وَاللَّهِ لِكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : كَأَنَّ هَؤُلَاءِ فَهِمُوا مِنْ لَا النَّهْيَ عَمَّا سَأَلُوا عَنْهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا تَعْزِلُوا وَعَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَعَلَيْكُمْ إِلَى آخِرِهِ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ .
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ هَذَا التَّقْدِيرِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتْرُكُوا ، وَهُوَ الَّذِي يُسَاوِي أَنْ لَا تَفْعَلُوا . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، فَفِيهِ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْ عَدَمِ الْفِعْلِ فَأَفْهَمَ ثُبُوتَ الْحَرَجِ فِي فِعْلِ الْعَزْلِ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ لَقَالَ : لَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ لَا زَائِدَةٌ فَيُقَالُ : الْأَصْلُ عَدَمَ ذَلِكَ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .