بَاب كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ
بَابُ كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، نَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَأَتَى بِشَاةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ ، فَقَالَ عَمَّارٌ : مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ ( عَنْ صِلَةَ ) : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَمَّا صِلَةُ فَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ ابْنُ زُفَرَ بِزَايٍ وَفَاءٍ وَزْنُ عُمَرَ كُوفِيٌّ عَبْسِيٌّ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَفُضَلَائِهِمْ ( يَشُكُّ فِيهِ ) : هَلْ هُوَ مِنْ شَعْبَانَ أَوْ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ . قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ : وَيَوْمُ الشَّكِّ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ فِيهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ رُؤْيَتُهُ أَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَاهِدَانِ فَاسِقَانِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا ( فَأُتِيَ بِشَاةٍ ) : وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَقَالَ : كُلُوا ( فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ ) : أَيِ اعْتَزَلَ وَاحْتَرَزَ عَنْ أَكْلِهِ ( فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : قَالَ فِي الْفَتْحِ : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ .
قِيلَ : فَائِدَةُ تَخْصِيصِ ذِكْرِ هَذِهِ الْكُنْيَةِ يَعْنِي أَبَا الْقَاسِمِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْسِمُ بَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْكَامَهُ زَمَانًا وَمَكَانًا وَغَيْرَ ذَلِكَ انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ ، فَقَالَ قَوْمٌ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ صِيَامِهِ إِذَا نَوَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَأَمَّا مَنْ نَوَى بِهِ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَهُوَ جَائِزٌ . هَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَرَخَّصَ فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُصَامُ ذَلِكَ الْيَوْمُ عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ لِلنَّهْيِ فِيهِ ، وَلِيَقَعَ الْفَصْلُ بِذَلِكَ بَيْنَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ . هَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ . وَرُويَ مَعْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ، وَعَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ ابْنَتَا أَبِي بَكْرٍ تَصُومَانِ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ .
وَكَانَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ ، فَإِنْ كَانَ صَحْو وَلَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ أَفْطَرَ مَعَ النَّاسِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ وَافَقَ يَوْمُ الشَّكِّ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ صَامَهُ ، وَإِلَّا لَمْ يَصُمْهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَصُومَ انْتَهَى . وَقَدْ مَرَّ بَعْضُ بَيَانِهِ فِي بَابِ الشَّهْرِ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ، وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ هَذَا مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ يَعْنِي فِي ذَلِكَ .