بَاب فِي السَّرِيَّةِ تَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قال : أنا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، نَا عِكْرِمَةُ ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَتَلَ رَاعِيَهَا ، وخَرَجَ يَطْرُدُهَا هُوَ وَأُنَاسٌ مَعَهُ فِي خَيْلٍ ، فَجَعَلْتُ وَجْهِي قِبَلَ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ نَادَيْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : يَا صَبَاحَاهُ ، ثُمَّ اتَّبَعْتُ الْقَوْمَ ، فَجَعَلْتُ أَرْمِي وَأَعْقِرُهُمْ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ جَلَسْتُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا جَعَلْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي ، وَحَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا وَثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا ، ثُمَّ أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ مَدَدًا فَقَالَ : لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ ، فَقَامَ إِلَيَّ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ وَصَعِدُوا الْجَبَلَ ، فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمْ قُلْتُ : أَتَعْرِفُونِي ؟ قَالُوا : وَمَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكُنِي ، وَلَا أَطْلُبُهُ فَيَفُوتُنِي ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى فَوَارِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ ، أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ فَيَلْحَقُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ فَعَقَرَ الْأَخْرَمُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَطَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ ، فَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ فَيَلْحَقُ أَبُو قَتَادَةَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ ، فَعَقَرَ بِأَبِي قَتَادَةَ وَقَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ ، فَتَحَوَّلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي جَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ ذُو قَرَدٍ ، فَإِذَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمْسِمِائَةٍ ، فَأَعْطَانِي سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ . ( عَنْ أَبِيهِ ) . سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ( قَالَ : أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ ) : بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ ( عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : قَالَ أَهْلُ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ : إِنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرُونَ لِقْحَةً ، وَهِيَ ذَوَاتُ اللَّبَنِ الْقَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْوِلَادَةِ ، تَرْعَى بِالْغَابَةِ تَارَةً ، وَتَرْعَى بِذِي قَرَدٍ تَارَةً ، ( فَقَتَلَ رَاعِيَهَا ) : أَيِ الْإِبِلِ ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ وَابْنُهُ وَامْرَأَتُهُ فِيهَا قَالَهُ فِي الْمَوَاهِبِ .
وَفِي زَادِ الْمَعَادِ فِي غَزْوَةِ الْغَابَةِ أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي بِالْغَابَةِ ، فَاسْتَاقَهَا وَقَتَلَ رَاعِيَهَا ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ غِفَارٍ ، وَاحْتَمَلُوا امْرَأَتَهُ ، قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا . انْتَهَى . ( وَخَرَجَ ) : عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( يَطْرُدُهَا ) الْإِبِلَ وَيَسُوقُهَا ( وَأُنَاسٌ مَعَهُ فِي خَيْلٍ ) : أَيْ فُرْسَانٌ .
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا فَاسْتَاقُوهَا وَقَتَلُوا ابْنَ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَسَرُوا الْمَرْأَةَ ( قِبَلَ الْمَدِينَةِ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ نَحْوَهَا ( يَا صَبَاحَاهُ ) : كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُسْتَغِيثُ ، وَأَصْلُهَا إِذَا صَاحُوا لِلْغَارَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ مَا يُغِيرُونَ عِنْدَ الصَّبَاحِ ، فَكَانَ الْمُسْتَغِيثُ يَقُولُ قَدْ غَشِينَا الْعَدُوُّ . وَقِيلَ هُوَ نِدَاءُ الْمُقَاتِلِ عِنْدَ الصَّبَاحِ ، يَعْنِي : وَقَدْ جَاءَ وَقْتُ الصَّبَاحِ فَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ : خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ بِالْأُولَى ، وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فَقَالَ : أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : مَنْ أَخَذَهَا قَالَ : غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ ، فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ : يَا صَبَاحَاهُ يَا صَبَاحَاهُ ، فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ . الْحَدِيثُ .
فَنُودِيَ : يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا نُودِيَ بِهَا . قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَرَكِبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمْسِمِائَةٍ ، وَقِيلَ : سَبْعِمِائَةٍ وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المدينة ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَخَلَّفَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ يَحْرُسُونَ الْمَدِينَةَ ، وَكَانَ قَدْ عَقَدَ لِمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ الدِّرْعُ وَالْمِغْفَرُ ، شَاهِرًا سَيْفَهُ ، فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً فِي رُمْحِهِ ، وَقَالَ لَهُ : امْضِ حَتَّى تَلْحَقَكَ الْخُيُولُ ، وَأَنَا عَلَى أَثَرِكَ ، فَأَدْرِكْ أُخْرَيَاتِ الْعَدُوِّ . ( ثُمَّ اتَّبَعْتُ الْقَوْمَ ) : الْعَدُوَّ ، وَذَلِكَ بَعْدَ صَرِيخِهِ ، وَقَبْلَ أَنْ تَلْحَقَهُ فُرْسَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ صَرَخَ : وَاصَبَاحَاهْ ، ثُمَّ خَرَجَ يَشْتَدُّ فِي آثَارِ الْقَوْمِ ، فَكَانَ مِثْلَ السَّبُعِ حَتَّى لَحِقَ بِالْقَوْمِ ، وَهُوَ عَلَى رِجْلَيْهِ فَجَعَلَ يَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ ( فَجَعَلْتُ أَرْمِي ) : بِالسِّهَامِ ( وَأَعْقِرُهُمْ ) : أَيْ أَقْتُلُ مَرْكُوبُهُمْ وَأَجْعَلُهُمْ رَاجِلِينَ بِعُقْرِ دَوَابِّهِمْ ( فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ ) : مِنَ الْعَدُوِّ ( جَلَسْتُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ ) : أَيْ مُخْتَفِيًا عَنْهُ . وَعِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ : فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُهُمْ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ مِنْهُمْ أَتَيْتُ شَجَرَةً ، فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا ، ثُمَّ رَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ ، فَإِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ فَدَخَلُوا فِي مَضَائِقِهِ عَلَوْتُ الْجَبَلَ ، فَرَمَيْتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ الْحَدِيثُ . ( مِنْ ظَهْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ مِنْ إِبِلِهِ الَّتِي أَخَذُوهَا ، يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ إِبِلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذْتُهُ عَنْهُمْ وَتَرَكْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِنَا .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَنْقَذَ جَمِيعَ اللِّقَاحِ ، وَهَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ . قَالَ الشَّامِيُّ : وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِصِحَّةِ سَنَدِهِ . وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَابْنِ سَعْدٍ وَالْوَاقِدِيِّ : فَاسْتَنْقَذُوا عَشْرَ لِقَاحٍ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمُ اسْتَنْقَذُوا اللِّقَاحَ كُلَّهَا ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلَمَةَ : حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي ، وَأَسْلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً . انْتَهَى . ( وَحَتَّى أَلْقَوْا ) : أَيْ طَرَحُوا ( بُرْدَةً ) : كِسَاءٌ صَغِيرٌ مُرَبَّعٌ ، وَيُقَالُ : كِسَاءٌ أَسْوَدُ صَغِيرٌ ( يَسْتَخِفُّونَ ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ ، أَيْ : يَطْلُبُونَ الْخِفَّةَ مِنْهَا لِيَكُونُوا أَسْرَعَ فِي الْفِرَارِ ، ( ثُمَّ أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ ) : بْنُ حِصْنٍ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( مَدَدًا ) : أَيْ مَنْ يَنْصُرُ لَهُمْ وَيُعِينُهُمْ مِنَ الْأَعْوَانِ وَالْأَنْصَارِ .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَأَتَوْا مَضِيقًا فَأَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ مُمِدًّا لَهُمْ ، فَجَلَسُوا يَتَغَذَّوْنَ وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : لَقِينَا مِنْ هَذَا الشِّدَّةَ وَالْأَذَى مَا فَارَقَنَا السِّحْرَ حَتَّى الْآنَ ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا ، وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ( فَقَالَ ) : عُيَيْنَةُ : ( لِيَقُمْ إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ( فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمْ ) : أَيْ قَدَرْتُ عَلَى إِسْمَاعِهِمْ بِقُرْبِهِمْ مِنِّي ( فَيَفُوتُنِي ) : فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ : أَظُنُّ ، فَرَجَعُوا ( فَمَا بَرِحْتُ ) : أَيْ مَا زِلْتُ مَكَانِي ( إِلَى فَوَارِسَ ) : جَمْعُ فَارِسٍ ( يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ ) : أَيْ يَدْخُلُونَ مِنْ خَلَائِلِهَا ، أَيْ : بَيْنَهَا ( أَوَّلُهُمِ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ ) . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : هُوَ أَوَّلُ فَارِسٍ لَحِقَ بِالْقَوْمِ ( فَيَلْحَقُ ) : أَيْ لَحِقَ وَصِيغَةُ الْمُضَارِعِ لِإِحْضَارِ تِلْكَ الْحَالَةِ ، ( فَعَقَرَ الْأَخْرَمُ ) : فَاعِلُ عَقَرَ ( عَبْدَ الرَّحْمَنِ ) : مَفْعُولُ عَقَرَ أَيْ قَتَلَ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ دَابَّةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ( وَطَعَنَهُ ) : أَيِ الْأَخْرَمَ ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) : فَاعِلُ طَعَنَ ( فَقَتَلَهُ ) : أَيْ قَتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ الْأَخْرَمَ الْأَسَدِيَّ ( فَعَقَرَ ) : أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( بِأَبِي قَتَادَةَ ) : أَيْ قَتَلَ دَابَّتَهُ ، ( جَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ ) : هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ بِالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ، أَيْ : نَفَيْتُهُمْ وَأَبْعَدْتُهُمْ عَنْهُ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : حَلَأْتُهُمْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْهَمْزِ فِي آخِرِهِ .
وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ : حَلَّيْتُهُمْ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْيَاءِ مَكَانَ الْهَمْزَةِ ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ طَرَدْتُهُمْ عَنْهُ ، وَأَصْلُهُ الْهَمْزَةُ ، وَيُقَالُ : حَلَأْتُ الرَّجُلَ عَنِ الْمَاءِ إِذَا مَنَعْتُهُ الْوُرُودَ . انْتَهَى .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ حَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ بِذِي قَرَدٍ ، هَكَذَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ ، فَقَلَبَ الْهَمْزَةَ يَاءً ، وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّ الْيَاءَ لَا تُبْدَلُ مِنَ الْهَمْزَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَهَا مَكْسُورًا ، نَحْوَ بِئْرِ وَإيلافٍ ، وَقَدْ شَذَّ قَرَيْتُ فِي قَرَأْتُ ، وَلَيْسَ بِالْكَثِيرِ ، وَالْأَصْلُ الْهَمْزُ . انْتَهَى ( ذُو قَرَدٍ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ آخِرَهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَحُكِيَ الضَّمُّ فِيهِمَا .
قَالَ الْحَازِمِيُّ : الْأَوَّلُ ضَبْطُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَالضَّمُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ . وَقَالَ الْبَلَاذُرِيُّ : الصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ مَاءٌ عَلَى نَحْوِ بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ مِمَّا يَلِي بِلَادَ غَطَفَانَ ، وَقِيلَ : عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ . قَالَ السِّنْدِيُّ : فَذُو قَرَدٍ اسْمُ ذَلِكَ الْمَاءِ .
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : هُوَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ ، ( فَأَعْطَانِي سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ ) : وَلَفْظُ أَحْمَدَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ ، ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ الْفَارِسِ ، وَسَهْمَ الرَّاجِلِ ، فَجَعَلَهُمَا لِي جَمِيعًا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ سَهْمَ الرَّاجِلِ حَسْبُ ؛ لِأَنَّ سَلَمَةَ كَانَ رَاجِلًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَأَعْطَاهُ الزِّيَادَةَ نَفْلًا ؛ لِمَا كَانَ مِنْ حُسْنِ بَلَائِهِ . انْتَهَى . وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ تَرْجَمَةِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ إِنَّمَا اسْتَنْقَذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا وَثَلَاثِينَ بُرْدَةً ، وَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا ، وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعْطِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ أَكْثَرَ مِنْ سَهْمِ الرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ ، وَلَمْ يَخُصَّ أَهْلَ السَّرِيَّةِ كَأَبِي قَتَادَةَ وَسَلَمَةَ وَغَيْرِهِمَا بِهَذِهِ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا ، فَلَمْ تُرَدَّ تِلْكَ الْأَمْوَالُ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ كُلِّهِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . كَذَا فِي الشَّرْحِ لِأَخِينَا أَبِي الطَّيِّبِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْ هَذَا .
انْتَهَى . قُلْتُ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْجِهَادِ وَفِي الْمَغَازِي .