بَاب مَا جَاءَ فِي إِيجَابِ الْأَضَاحِيِّ
أول كتَابُ الضَّحَايَا . بَابُ مَا جَاءَ فِي إِيجَابِ الْأَضَاحِيِّ أَوْلُ كِتَابِ الضَّحَايَا : جَمْعُ ضَحِيَّةٍ ، كَعَطَايَا جَمْعُ عَطِيَّةٍ ، وَهِيَ مَا يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ : أُضْحِيَّةٌ وَإِضْحِيَّةٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَجَمْعُهَا أَضَاحِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا ، وَاللُّغَةُ الثَّالِثَةُ ضَحِيَّةٌ وَجَمْعُهَا ضَحَايَا ، وَالرَّابِعَةُ أَضْحَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجَمْعُ أَضْحَى كَأَرْطَاةُ وَأَرْطَى ، وَبِهَا سُمِّيَ يَوْمُ الْأَضْحَى .
قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الضُّحَى وَهُوَ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ ، انْتَهَى .
باب ما جاء في إيجاب الأضاحي حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، َنَا يَزِيدُ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، قال : نا بِشْرٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ، عَنْ عَامِرٍ أَبِي رَمْلَةَ ، قَالَ : أَنبأنَا مِخْنَفُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ : وَنَحْنُ وُقُوفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ قَالَ : قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً ، أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ ؟ هَذِهِ الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ : الرَّجَبِيَّةُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْعَتِيرَةُ مَنْسُوخَةٌ . هَذَا خَبَرٌ مَنْسُوخٌ .
( يَزِيدُ ) : هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ ( بِشْرُ ) : هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ وَكِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ قَالَهُ الْمِزِّيُّ ( أَنْبَأَنَا مِخْنَفٌ ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كَمِنْبَرٍ ( ابْنُ سُلَيْمٍ ) : بِالتَّصْغِيرِ ( وَعَتِيرَةُ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا رَاءٌ وَهِيَ ذَبِيحَةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ رَجَبٍ وَيُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَفْسِيرِ الْعَتِيرَةِ بِهَذَا . كَذَا فِي النَّيْلِ .
وَفِي الْمِرْقَاةِ : وَهِيَ شَاةٌ تُذْبَحُ فِي رَجَبٍ يَتَقَرَّبُ بِهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْمُسْلِمُونَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُشْبِهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَيَلِيقُ بِحُكْمِ الدِّينِ . وَأَمَّا الْعَتِيرَةُ الَّتِي يَعْتِرُهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ الذَّبِيحَةُ الَّتِي كَانَتْ تُذْبَحُ لِلْأَصْنَامِ وَيُصَبُّ دَمُهَا عَلَى رَأْسِهَا .
وَفِي النِّهَايَةِ كَانَتِ الْعَتِيرَةُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ ، انْتَهَى . ( الرَّجَبِيَّةُ ) : أَيِ الذَّبِيحَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى رَجَبٍ لِوُقُوعِهَا فِيهِ ( الْعَتِيرَةُ مَنْسُوخَةٌ ، هَذَا خَبَرٌ مَنْسُوخٌ ) : قَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الْعَتِيرَةِ . وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَزْمُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ وَلَمْ يَثْبُتْ .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ هذا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ وَهُوَ الْأَوْلَى ، وَسَيَأْتِي وَجْهُ الْجَمْعِ فِي كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ ، فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ وَاجِبَةٌ ، وَحَكَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَيَاسِيرِ . قُلْتُ : وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفُ الْمَخْرَجِ ، وَأَبُو رَمْلَةَ مَجْهُولٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ ، وَقِيلَ : لَا فَرَعَ وَاجِبَةٌ وَلَا عَتِيرَةَ وَاجِبَةٌ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفُ الْمَخْرَجِ وَأَبُو رَمْلَةَ مَجْهُولٌ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمُعَافِرِيُّ : حَدِيثُ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَلَمْ يَرَهُ مَنْسُوخًا .
وَأَبُو رَمْلَةَ اسْمُهُ عَامِرٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ وَلَامٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَتِيرَةِ ، وَالْعَتِيرَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِالْإِجْمَاعِ .
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ مِنْ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْبَحُ الْعَتِيرَةَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ وَيَرْوِي فِيهَا شَيْئًا . وَقَالَ الْيَحْصَبِيُّ : وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ بِنَفْيِ حُكْمِهَا .