بَاب فِيمَا يَلْزَمُ الْإِمَامُ مِنْ أَمْرِ الرَّعِيَّةِ وَالْحَجَبَةِ عَنْهُمْ
حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا الْفَيْءَ فَقَالَ : مَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ ، وَمَا أَحَدٌ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَسْمِ رَسُولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ ، وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ ، وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ ( مَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ كَسَائِرِ النَّاسِ لَا فَضْلَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي تَقْدِيمِ وَلَا تَوْفِيرِ نَصِيبٍ ، قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . ( إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ) : أَيْ لَكِنْ نَحْنُ عَلَى مَنَازِلِنَا وَمَرَاتِبِنَا الْمُبَيَّنَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الْآيَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَفَاوُتِ مَنَازِلِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ . ( وَقَسْمِ رَسُولِهِ ) : بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، أَيْ وَمِنْ قَسْمِهِ مِمَّا كَانَ يَسْلُكُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُرَاعَاةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ أَهْلِ بَدْرٍ وَأَصْحَابِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَذَوِي الْمَشَاهِدِ الَّذِينَ شَهِدُوا الْحُرُوبَ ، وَبَيْنَ الْمُعِيلِ وَغَيْرِهِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( فَالرَّجُلُ ) : بِالرَّفْعِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ ( وَقِدَمِهِ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ سَبْقُهُ فِي الْإِسْلَامِ .
قِيلَ : تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَالرَّجُلُ يُقْسَمُ لَهُ وَيُرَاعِي قِدَمُهُ فِي الْقَسْمِ ، أَوِ الرَّجُلُ وَنَصِيبُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيِهِ قِدَمُهُ ، أَوِ الرَّجُلُ وَقِدَمُهُ يُعْتَبَرَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَقَبُولِ التَّفَاضُلِ كَقَوْلِهِمُ الرَّجُلُ وَضَيْعَتُهُ ، وَكَذَا قَوْلُهُ ( وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ ) : أَيْ شَجَاعَتُهُ وَجَبَانُهُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ : مَشَقَّتُهُ وَسَعْيُهُ . ( وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ ) : أَيْ مِمَّنْ يُمَوِّنُهُ ( وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ ) : أَيْ مِقْدَارُ حَاجَتِهِ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : كَانَ رَأْيُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ وَأَنَّ جُمْلَتَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمْ ، لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى آخَرٍ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي التَّفَاضُلِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَرَاتِبِ وَالْمَنَازِلِ ، وَذَلِكَ إِمَّا بِتَنْصِيصِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ كَالْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ خُصُوصًا مِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أَوْ بِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفْضِيلِهِ ، إِمَّا لِسَبْقِ إِسْلَامِهِ ، وَإِمَّا بِحُسْنِ بَلَائِهِ ، وَإِمَّا لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ ، انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ .