بَاب فِي تَدْوِينِ الْعَطَاءِ
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ ، نا الْوَلِيدُ ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنِي فِيمَا حَدَّثَهُ ابْنٌ لِعَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ أنَّ مَنْ سَأَلَ عَنْ مَوَاضِعِ الْفَيْءِ فَهُوَ مَا حَكَمَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - فَرَآهُ الْمُؤْمِنُونَ عَدْلًا مُوَافِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ، وَقَلْبِهِ فَرَضَ الْأَعْطِيَةَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَعَقَدَ لِأَهْلِ الْأَدْيَانِ ذِمَّةً بِمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ لَمْ يَضْرِبْ فِيهَا بِخُمُسٍ ، وَلَا مَغْنَمٍ ( حَدَّثَنِي فِيمَا حَدَّثَهُ ) يَقُولُ عِيسَى : إِنَّ ابْنًا لِعَدِيٍّ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي جُمْلَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي حَدَّثَ بِهَا ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) : أَيِ ابْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الْأُمَوِيَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ لِلْوَلِيدِ ، وَكَانَ مَعَ سُلَيْمَانَ كَالْوَزِيرِ ، وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ ، فَعُدَّ مَعَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنَ الرَّابِعَةِ ، مَاتَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ ، وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( كَتَبَ ) : فِي الْآفَاقِ إِلَى عُمَّالِهِ ( إِنَّ مَنْ سَأَلَ عَنْ مَوَاضِعِ الْفَيْءِ ) : أَيْ عَمَّنْ يُعْطَى الْفَيْءَ وَعَلَى مَنْ يُنْفِقُ وَيَصْرِفُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ ( فَهُوَ ) : أَيْ مَوْضِعُ الْفَيْءِ وَمَحَلُّهُ ( فَرَآهُ ) : أَيْ ذَلِكَ الْحُكْمَ ( عَدْلًا ) : أَيْ حَقًّا ( جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ ) : أَيْ أَظْهَرَهُ وَوَضَعَهُ ( عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : ضَمَّنَ جَعَلَ مَعْنَى أَجْرَى ، فَعَدَّاهُ بِعَلَى وَفِيهِ مَعْنَى ظُهُورِ الْحَقِّ وَاسْتِعْلَائِهِ عَلَى لِسَانِهِ . وَفِي وَضْعِ الْجَعْلِ مَوْضِعِ أَجْرَى إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ خُلُقِيًّا ثَابِتًا مُسْتَقِرًّا ( فَرَضَ الْأَعْطِيَةَ ) : جَمْعُ عَطَاءٍ ( لِلْمُسْلِمِينَ ) : هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ ؛ لِأَنَّ إِعْطَاءَ الْفَرْضِ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَدْوِينِ الْكِتَابِ ( وَعَقَدَ لِأَهْلِ الْأَدْيَانِ ) : كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ( ذِمَّةً ) : أَيْ عَهْدًا وَأَمَانًا ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْقُضَ عَلَيْهِ عَهْدَهُ ( بِمَا فُرِضَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ عَقَدَ ( مِنَ الْجِزْيَةِ ) : وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ الَّذِي يُعْقَدُ لِلْكِتَابِيِّ عَلَيْهِ الذِّمَّةُ وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنَ الْجَزَاءِ ، كَأَنَّهَا جَزَتْ عَنْ قَتْلِهِ ( لَمْ يَضْرِبْ ) : عُمَرُ ( فِيهَا ) : فِي الْجِزْيَةِ ( بِخُمُسٍ وَلَا مَغْنَمٍ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْجِزْيَةِ ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فِي الْفِقْهِ . وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْبِنَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ كُتُبِ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ قِتَالٍ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا يُصْرَفُ الْخَرَاجُ وَالْجِزْيَةُ كَعِمَارَةِ الرِّبَاطَاتِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ وَسَدِّ الثُّغُورِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ ، الَّتِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا كَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ ، وَإِلَى أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسِبِينَ وَالْمُعَلِّمِينَ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ ، وَحِفْظِ الطَّرِيقِ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ .
قَالُوا : وَمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ هُوَ مِثْلُ الْأَرَاضِي الَّتِي أَجْلَوْا أَهْلَهَا عَنْهَا وَمِثْلُ الْجِزْيَةِ وَلَا خُمُسَ فِي ذَلِكَ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِلَا قِتَالٍ عَنْ خَوْفٍ أَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ لِلْكَفِّ عَنْهُمْ يُخَمَّسُ ، وَمَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ كَالْجِزْيَةِ وَعُشْرِ التِّجَارَةِ وَمَالِ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَفِي الْقَدِيمِ لَا يُخَمَّسُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَفِي الْجَدِيدِ يُخَمَّسُ ، وَلِأَحْمَدَ فِي الْفَيْءِ رِوَايَتَانِ الظَّاهِرُ مِنْهُمَا لَا يُخَمَّسُ ، ثُمَّ هَذَا الْخُمُسُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُصْرَفُ إِلَى مَا يُصْرَفُ إِلَيْهِ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ عِنْدَهُ . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِعَمَلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ وَفَرَضَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا ، وَلَمْ يُنْقَلْ قَطُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ خَمَّسَهُ بَلْ كَانَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ كَانَ لَنَقَلَهُ وَلَوْ بِطَرِيقٍ ضَعِيفٍ عَلَى مَا قَضَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، وَمُخَالَفَةُ مَا قَضَتْ بِهِ الْعَادَةُ بَاطِلَةٌ ، فَوُقُوعُهُ بَاطِلٌ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ خِلَافُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ ، ثُمَّ أَوْرَدَ رِوَايَةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذِهِ .
انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِيهِ رِوَايَةُ مَجْهُولٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَالْمَرْفُوعُ مِنْهُ مُرْسَلٌ . الِافْتِرَاضُ بِالْفَاءِ : الْفَرْضُ وَهُوَ مَا يُقْطَعُ مِنَ الْعَطَاءِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .