بَاب مَا جَاءَ فِي خَبَرِ الطَّائِفِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ يَعْنِي : ابْنَ مَنْجُوفٍ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا ، وَلَا يُعْشَرُوا ، وَلَا يُجَبَّوْا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا ، وَلَا تُعْشَرُوا ، وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ( يَعْنِي ابْنَ مَنْجُوفٍ ) : بِنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ وَآخِرُهُ فَاءٌ ( أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا ) : فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ : وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ بَعْدَ قُدُومِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ سَعِدٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ . وَأَمَّا خُرُوجُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى تَبُوكَ فَكَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ اتِّفَاقًا ، انْتَهَى . ( لِيَكُونَ ) : أَيْ ذَلِكَ الْإِنْزَالُ ( أَرَقُّ لِقُلُوبِهِمْ ) : أَرَقُّ هَاهُنَا اسْمُ التَّفْضِيلِ مِنْ أَرَّقَهُ إِرْقَاقًا بِمَعْنَى أَلَانَهُ إِلَانَةً وَهُوَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ قِيَاسٌ مِنْ بَابِ أَفْعَلَ مَعَ كَوْنِهِ ذَا زِيَادَةٍ ، وَيُؤَيِّدهُ كَثْرَةُ السَّمَاعِ كَقَوْلِهِمْ هُوَ أَعْطَاهُمْ لِلدِّينَارِ وَأَوْلَاهُمْ لِلْمَعْرُوفِ ، وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِهِ سَمَاعٌ مَعَ كَثْرَتِهِ ، قَالَهُ الرَّضِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ .
فَالْمَعْنَى : أَيْ لِيَكُونَ إِنْزَالُهُمُ الْمَسْجِدَ أَكْثَرَ وَأَشَدَّ إِلَانَةً وَتَرْقِيقًا لِقُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ رُؤْيَتِهِمْ حَالَ الْمُسْلِمِينَ وَخُشُوعِهِمْ وَخُضُوعِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَفِي عِبَادَاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( أَنْ لَا يُحْشَرُوا ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يُنْدَبُونَ إِلَى الْغَزْوِ وَلَا تُضْرَبُ عَلَيْهِمُ الْبُعُوثُ ، وَقِيلَ : لَا يُحْشَرُونَ إِلَى عَامِلِ الزَّكَاةِ بَلْ يَأْخُذُ صَدَقَاتُهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ الْحَشْرُ فِي الْجِهَادِ وَالنَّفِيرِ لَهُ ( وَلَا يُعْشَرُوا ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يُؤْخَذُ عُشْرُ أَمْوَالِهِمْ ، وَقِيلَ : أَرَادُوا الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ ، قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ ( وَلَا يُجَبَّوْا ) : بِالْجِيمِ وَشِدَّةِ الْمُوَحَّدَةِ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ فِي مَادَّةِ جَبَوَ : وَفِي حَدِيثِ ثَقِيفٍ وَلَا يُجَبَّوْا أَصْلُ التَّجْبِيَةِ أَنْ يَقُومَ قِيَامَ الرَّاكِعِ ، وَقِيلَ : أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَقِيلَ : السُّجُودُ وَأَرَادُوا أَنْ لَا يُصَلُّوا ، وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ لِقَوْلِهِ : لَا خَيْرَ إِلَخْ ، وَأُرِيدَ بِهِ الصَّلَاةُ مَجَازًا .
انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ لَا يُجَبَّوْا أَيْ لَا يُصَلُّوا ، وَأَصْلُ التَّجْبِيَةِ أَنْ يَكُبَّ الْإِنْسَانُ عَلَى مُقَدَّمِهِ وَيَرْفَعَ مُؤَخَّرَهُ . قَالَ : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا سَمَحَ لَهُمْ بِالْجِهَادِ وَالصَّدَقَةِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ فِي الْعَاجِلِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِحَوْلِ الْحَوْلِ ، وَالْجِهَادُ إِنَّمَا يَجِبُ بِحُضُورِ الْعَدُوِّ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي أَوْقَاتِهَا الموقتة فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِطُوا تَرْكَهَا .
وَقَدْ سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ اشْتِرَاطِ ثَقِيفٍ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ ، فَقَالَ : عَلِمَ أَنَّهُمْ سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ الْكَافِرَ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ لِحَاجَةٍ لَهُ فِيهِ أَوْ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِ إِلَيْهِ . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ .