بَاب كَرَاهِيَةِ الْمُغَالَاةِ فِي الْكَفَنِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ : مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا نَمِرَةٌ كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَت رِجْلَاهُ ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْإِذْخِرِ ( قَالَ ) : أَيْ خَبَّابٌ ( مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ) : هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَعُمَيْرٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ الْعَبْدَرِيُّ كَانَ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنُ وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنْعَمِ النَّاسِ عَيْشًا ، وَأَلْيَنِهِمْ لِبَاسًا ، وَأَحْسَنِهِمْ جَمَالًا ، فَلَمَّا أَسْلَمَ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَتَقَشَّفَ وَتَحَشَّفَ ، وَفِيهِ نَزَلَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ) : أَيْ لِمُصْعَبٍ ( إِلَّا نَمِرَةٌ ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ كِسَاءٌ فِيهِ خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ تَلْبَسُهُ الْأَعْرَابُ ، قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : النَّمِرَةُ ضَرْبٌ مِنَ الْأَكْسِيَةِ إِذَا ( غَطَّيْنَا ) : أَيْ سَتَرْنَا ( بِهَا ) : أَيْ بِالنَّمِرَةِ ( مِنَ الْإِذْخِرِ ) : قَالَ الْعَيْنِيُّ : هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي آخِرِهِ رَاءٌ ، هُوَ نَبْتٌ بِمَكَّةَ وَيَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ . وَفِيهِ أَنَّ الثَّوْبَ إِذَا ضَاقَ فَتَغْطِيَةُ رَأْسِ الْمَيِّتِ أَوْلَى مِنْ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْكَفَنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَأَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا اسْتَغْرَقَ كَفَنُهُ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ كَانَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .