باب النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا وُهَيْبٌ ، نا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فِي الشَّمْسِ ، فَسَأَلَ عَنْهُ فقَالُوا : هَذَا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ ، وَيَصُومَ قَالَ : مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ، وَلْيَسْتَظِلَّ ، وَلْيَقْعُدْ ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ( فَسَأَلَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ ( عَنْهُ ) عَنْ قِيَامِهِ فِي الشَّمْسِ أَوْ عَنِ اسْمِهِ ( هَذَا أَبُو إِسْرَائِيلَ ) أَيْ هُوَ مُلَقَّبٌ بِذَلِكَ ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ . قَالَ الْقَاضِي : الظَّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ هُوَ اسْمُهُ وَلِذَا أُجِيبَ بِذِكْرِ اسْمِهِ وَأَنَّ مَا بَعْدَهُ زِيَادَةٌ فِي الْجَوَابِ ( وَلَا يَتَكَلَّمُ ) مُطْلَقًا ( وَلْيُتِمَّ ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا فِي الْجَمِيعِ ( صَوْمَهُ ) أَيْ لِيُكْمِلْ صَوْمَهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ مِمَّا لَمْ يَرِدْ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ كَالْمَشْيِ حَافِيًا وَالْجُلُوسِ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ بِهِ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا إِسْرَائِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي قِصَّةِ أَبِي إِسْرَائِيلَ : هَذَا أَعْظَمُ حُجَّةٍ لِلْجُمْهُورِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةٍ أَوْ مَا لَا طَاقَةَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِكَفَّارَةٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ تَضَمَّنَ نَذْرُهُ نَوْعَيْنِ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ بِمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ طَاعَةٍ وَهُوَ الصَّوْمُ ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ مِنَ الْقِيَامِ فِي الشَّمْسِ وَتَرْكِ الْكَلَامِ وَتَرْكِ الِاسْتِظْلَالِ بِالظِّلِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَشَاقُّ تُتْعِبُ الْبَدَنَ وَتُؤْذِيهِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ وُضِعَ عَنِ هذه الْأُمَّةِ الْأَغْلَالُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ ، وَتَنْقَلِبُ النَّذْرُ فِيهِ مَعْصِيَةً ، فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيهِ .
انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ قُرْبَةٌ بِخِلَافِ أَخَوَاتِهِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْمُبَاحِ أَوْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ ، وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ فِي الشَّمْسِ ، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ مِمَّا لَا طَاعَةَ فِيهِ وَلَا قُرْبَةَ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ كَالْجَفَاءِ ، وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى .
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى إِبْطَالِ مَا أَحْدَثَتْهُ الْجَهَلَةُ الْمُتَصَوِّفَةُ مِنَ الْأَشْغَالِ الشَّدِيدَةِ الْمُحْدَثَةِ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الْمُنْكَرَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا طَرِيقَةُ تَزْكِيَةِ أَنْفَاسِهِمْ ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُمْ عَنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا إِلَّا بَيَّنَهُ . فَمِنْ أَيْنَ وَجَدُوهَا؟ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذُوهَا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .