بَاب مَنْ رَأَى عَلَيْهِ كَفَّارَةً إِذَا كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ
حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قال : نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قال : نا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قال : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أنه قَالَ : نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ ( نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ) وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ بِإِتْيَانِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِغَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : إِذَا لَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً لَمْ يَنْعَقِدْ . ثُمَّ إِنْ نَذَرَهُ رَاكِبًا لَزِمَهُ ، فَلَوْ مَشَى لَزِمَهُ دَمٌ لِتَوَفُّرِ مُؤْنَةِ الرُّكُوبِ ، وَإِنْ نَذَرَ مَاشِيًا لَزِمَهُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْحَجُّ أَوِ الْعُمْرَةُ ، فَإِنْ رَكِبَ لِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَلَزِمَ دَمٌ .
وَفِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ مِثْلُهُ . وَاخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ . وَإِنْ رَكِبَ بِلَا عُذْرٍ لَزِمَهُ الدَّمُ .
وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْعَاجِزِ : يَرْجِعُ مِنْ قَابِلٍ فَيَمْشِي مَا رَكِبَ إِلَّا أَنْ يَعْجَزَ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مُطْلَقًا ، كَذَا فِي النَّيْلِ . ( لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ ) فِيهِ أَنَّ النَّذْرَ بِالْمَشْيِ وَلَوْ إِلَى مَكَانٍ الْمَشْيُ إِلَيْهِ طَاعَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بَلْ يَجُوزُ الرُّكُوبُ ، لِأَنَّ الْمَشْيَ نَفْسَهُ غَيْرُ طَاعَةٍ ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ الْوُصُولُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ كَالْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ ، وَلِهَذَا سَوَّغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّكُوبَ لِلنَّاذِرَةِ بِالْمَشْيِ ، فَكَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى عَدَمِ لُزُومِ النَّذْرِ بِالْمَشْيِ وَإِنْ دَخَلَ تَحْتَ الطَّاقَةِ .
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّاذِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَيِ الْآتِي أَنْ يَرْكَبَ جَزْمًا ، وَأَمَرَ أُخْتَ عُقْبَةَ أَنْ تَمْشِيَ وَأَنْ تَرْكَبَ ؛ لِأَنَّ النَّاذِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ شَيْخًا ظَاهِرَ الْعَجْزِ وَأُخْتُ عُقْبَةَ لَمْ تُوصَفْ بِالْعَجْزِ ، فَكَأَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَمْشِيَ إِنْ قَدِرَتْ وَتَرْكَبَ إِنْ عَجَزَتَ . انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : حَدِيثُ أَنَسٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ الْمَشْيِ فَلَهُ الرُّكُوبُ وَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَحَدِيثُ أُخْتِ عُقْبَةَ مَعْنَاهُ تَمْشِي فِي وَقْتِ قُدْرَتِهَا عَلَى الْمَشْيِ وَتَرْكَبُ إِذَا عَجَزَتْ عَنِ الْمَشْيِ أَوْ لَحِقَتْهَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فَتَرْكَبُ وَعَلَيْهَا دَمٌ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الدَّمِ فِي الصُّورَتَيْنِ هُوَ أَرْجَحُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا دَمَ عَلَيْهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ الدَّمُ ، وَأَمَّا الْمَشْيُ حَافِيًا فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَفَاءُ بَلْ لَهُ لُبْسُ النَّعْلَيْنِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مُبَيَّنًا أَنَّهَا رَكِبَتْ لِلْعَجْزِ قَالَ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً وَإِنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . الْحَدِيثُ . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأُخْتُ عُقْبَةَ هِيَ أُمُّ حِبَّانَ بِنْتِ عَامِرٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتِ . انْتَهَى كَلَامُهُ .