بَاب فِي اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، أنا عِيسَى ، عن زَكَرِيَّا ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يقولَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِهَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ : وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ َدِينَهُ وعِرْضَهُ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ . ( وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ أَنَّهَا تَشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ، وَلَيْسَ أَنَّهَا فِي ذَوَاتِ أَنْفُسِهَا مُشْتَبِهَةٌ لَا بَيَانَ لَهَا فِي جُمْلَةِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يَجِبُ لَهُ فِيهِ حُكْمٌ إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ فِيهِ لَهُ بَيَانًا ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، وَلَكِنَّ الْبَيَانَ ضَرْبَانِ ، بَيَانٌ جَلِيٌّ يَعْرِفُهُ عَامَّةُ النَّاسِ ، وَخَفِيٌّ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْخَاصُّ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
قَالَ : ودلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ ، وَقَدْ عُقِلَ بِبَيَانِ ، فَحْوَاهُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْرِفُونَهَا ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلَ الْعَدَدِ . وَإِذَا صَارَ مَعْلُومًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ ، فَلَيْسَ بِمُشْبِهٍ فِي نَفْسِهِ . انْتَهَى .
مُخْتَصَرًا ( فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ ) : أَيِ اجْتَنَبَ عَنِ الْأُمُورِ الْمُشْتَبِهَةِ قَبْلَ ظُهُورِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهَا ، ( اسْتَبْرَأَ دِينَهُ وَعِرْضَهُ ) : يَعْنِي : بَالَغَ فِي بَرَاءَةِ دِينِهِ ، مِنْ أَنْ يَخْتَلَّ بِالْمَحَارِمِ ، وَعِرْضِهِ مِنْ أَنْ يُتَّهَمَ بِتَرْكِ الْوَرَعِ ، وَالسِّينُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ ، كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ اسْتَعَفَّ أَبْلَغُ مِنْ عَفَّ كَأَنَّهُ طَالِبَ زِيَادَةَ الْعِفَّةِ ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ ( وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ) : يَعْنِي يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حَوْلَ حَرِيمِهِ .