حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ

بَابٌ : فِي اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا أَبُو شِهَابٍ ، عن ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، يقول : وَلَا أَسْمَعُ أَحَدًا بَعْدَهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتشاَبِهَاتٌ ، أَحْيَانًا يَقُولُ : مُشْتَبِهَةٌ وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا : إِنَّ اللَّهَ حَمَى حِمًى ، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ محارمه ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَهُ ، وَإِنَّهُ مَنْ يُخَالِطُ الرِّيبَةَ يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ .

باب في اجتناب الشبهات ( إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ) : أَيْ وَاضِحٌ لَا يَخْفَى حِلُّهُ ، ( وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ) : أَيْ لَا يَخْفَى حُرْمَتُهُ ، وَفِيهِ تَقْسِيمٌ لِلْأَحْكَامِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، وَهُوَ تَقْسِيمٌ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى طَلَبِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ ، أَوْ يَنُصُّ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى فِعْلِهِ ، أَوْ لَا يَنُصُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا : فَالْأَوَّلُ الْحَلَالُ الْبَيِّنُ ، وَالثَّانِي الْحَرَامُ الْبَيِّنُ ، وَالثَّالِثُ الْمُشْتَبَهُ ؛ لِخَفَائِهِ ، فَلَا يُدْرَى أَحَلَالٌ هُوَ أَمْ حَرَامٌ ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَامًا ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّبِعَةِ ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عَلَى التَّرْكِ لِهَذَا الْقَصْدِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ حَظْرًا وَإِبَاحَةً . وَهَذَا التَّقْسِيمُ قَدْ وَافَقَ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ مِنَ الْمُشَبَّهَاتِ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ؛ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ، حَلَالٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا يَخْفَى حِلُّهُ ، كَالْخُبْزِ وَالْفَوَاكِهِ وَالزَّيْتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ وَالنَّظَرُ وَالْمَشْيُ ، مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فِيهَا حَلَالٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِي حِلِّهِ ، وَأَمَّا الْحَرَامُ الْبَيِّنُ فَكَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْبَوْلِ ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا وَالْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ( وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٍ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُشْتَبِهَاتٌ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ ، وَفِي بَعْضِهَا مُشَبَّهَاتٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ .

وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا الْمُشَبَّهَاتُ ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاضِحَةِ الْحِلِّ وَلَا الْحُرْمَةِ ، فَلِهَذَا لَا يَعْرِفُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، وَلَا يَعْلَمُونَ حُكْمَهَا ، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَيَعْرِفُونَ حُكْمَهَا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوِ اسْتِصْحَابٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَطَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ الْكَلَامَ ( أَحْيَانًا ) : ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ لِيَقُولَ ؛ أَيْ يَقُولُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ، ( مُشْتَبِهَةٌ ) : أَيْ مَكَانَ مُتَشَابِهَاتٌ ، ( وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا ) : أَيْ سَأُبَيِّنُ لِإِيضَاحِ حُكْمَ تِلْكَ الْأُمُورِ مِثَالًا ، ( إِنَّ اللَّهَ حَمَى حِمًى ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ هُوَ مَا يَحْمِيهُ الْإِمَامُ لِمَوَاشِيهِ وَيَمْنَعُ الْغَيْرَ ( يُوشِكُ ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَقْرُبُ ( أَنْ يُخَالِطَهُ ) : أَيْ يَقَعَ فِي الْحِمَى ، شَبَّهَ الْمُكَلَّفَ بِالرَّاعِي ، وَالنَّفْسَ البهيمية بِالْأَنْعَامِ ، وَالْمُشَبَّهَاتَ بِما حَوْلَ الْحِمَى وَالْمَعَاصِي بِالْحِمَى ، وَتَنَاوَلُهُ الْمُشَبَّهَاتِ بِالرَّتْعِ حَوْلَ الْحِمَى ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بِالْمَحْسُوسِ الَّذِي لَا يَخْفَى حَالُهُ . وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ حُصُولُ الْعِقَابِ بِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ فِي ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّ الرَّاعِي إِذَا جَرَّهُ رَعْيُهُ حَوْلَ الْحِمَى إِلَى وُقُوعِهِ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ لِذَلِكَ ، فَكَذَا مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الشُّبُهَاتِ ، وَتَعَرَّضَ لِمُقَدِّمَاتِهَا وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، فَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ . ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( الرِّيبَةُ ) : أَيِ الْأَمْرُ الْمُشْتَبَهِ وَالْمَشْكُوكُ ، ( أَنْ يَجْسُرَ ) : بِالْجِيمِ مِنَ الْجَسَارَةِ ، أَيْ : عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : يَخْسُرَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ .

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث