بَاب فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ
بَابٌ : فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا ابْنُ دُكَيْنٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَا رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ وَأَبُو أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ ، وَافَقَهُمَا فِي الْمَتْنِ وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَكَانَ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ فقَالَ : وَزْنُ الْمَدِينَةِ ، وَمِكْيَالُ مَكَّةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَاخْتُلِفَ فِي الْمَتْنِ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا .
باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم إلخ ( ابْنُ دُكَيْنٍ ) مُصَغَّرٌ ، هُوَ فَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ ( نَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ حَنْظَلَةَ ) بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ ( الْوَزْنُ ) أَيِ الْمُعْتَبَرُ ( وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ تِجَارَاتٍ ، فَعَهْدُهُمْ بِالْمَوَازِينِ وَعِلْمُهُمْ بِالْأَوْزَانِ أَكْثَرُ . كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي ، ( وَالْمِكْيَالُ ) الْمُعْتَبَرُ ( مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ زِرَاعَاتٍ ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ الْمَكَايِيلِ . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ : الْحَدِيثُ فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا ، حَتَّى لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الدَّرَاهِمِ ، حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِوَزْنِ مَكَّةَ ، وَالصَّاعُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، كُلُّ صَاعٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ .
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . وَقَالَ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ : قَوْلُهُ الْمِكْيَالُ عَلَى مِكْيَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيِ الصَّاعُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْكَفَّارَاتِ ، وَيَجِبُ إِخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِهِ صَاعُ الْمَدِينَةِ وَكَانَتِ الصِّيعَانُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْبِلَادِ ، وَالْمُرَادُ بِالْوَزْنِ وَزْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَطْ ، أَيِ الْوَزْنُ الْمُعْتَبَرُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَهِيَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي الْعَشَرَةُ مِنْهَا بِسَبْعَةِ مَثَاقِيلَ ، وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ مُخْتَلِفَةَ الْأَوْزَانِ فِي الْبِلَادِ ، وَكَانَتْ دَرَاهِمُ أَهْلِ مَكَّةَ هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ ، فَأَرْشَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ لِهَذَا الْكَلَامِ ، كَمَا أَرْشَدَ إِلَى بَيَانِ الصَّاعِ الْمُعْتَبَرِ فِي بَابِ الْكَفَّارَاتِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ . انْتَهَى .
وَفِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْكَيْلِ إِلَى مِكْيَالِ الْمَدِينَةِ ، وَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْوَزْنِ إِلَى مِيزَانِ مَكَّةَ . أَمَّا مِقْدَارُ مِيزَانِ مَكَّةَ فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : بَحَثْتُ غَايَةَ الْبَحْثِ عَنْ كُلِّ مَنْ وَثِقْتُ بِتَمْيِيزِهِ ، فَوَجَدْتُ كُلًّا يَقُولُ : إِنَّ دِينَارَ الذَّهَبِ بِمَكَّةَ وَزْنُهُ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ حَبَّةً ، وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ بِالْحَبِّ مِنَ الشَّعِيرِ ، وَالدِّرْهَمُ سَبْعَةُ أَعْشَارِ الْمِثْقَالِ ، فَوَزْنُ الدِّرْهَمِ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ حَبَّةً وَسِتَّةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ ، وَعُشْرُ عُشْرِ حَبَّةٍ ، فَالرِّطْلُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا بِالدِّرْهَمِ الْمَذْكُورِ . انْتَهَى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَكَانَ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي رِوَايَةٍ وَزْنُ الْمَدِينَةِ ، وَمِكْيَالُ مَكَّةَ . انْتَهَى .
قُلْتُ : حَدِيثُ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَكَتَ عَنْهُ الْمُؤَلِّفُ وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ . ( وَكَذَا رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى فِرْيَابَ مَدِينَةٌ بِبِلَادِ التُّرْكِ كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ عَابِدٌ مِنْ أَجِلَّةِ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ ، ( وَأَبُو أَحْمَدَ ) الزُّبَيْرِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ( وَافَقَهُمَا ) أَيْ وَافَقَ فَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فِي هَذَا الْمَتْنِ الْفِرْيَابِيَّ ، وَأَبَا أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيَّ ، ( وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) وَالْمَعْنَى أَيْ رَوَاهُ فَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، بِلَفْظِ الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ اتَّفَقُوا فِي رِوَايَتِهِمْ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ . أَمَّا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَمَّا فَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وَالْفِرْيَابِيُّ ، فَجَعَلَاهُ مِنْ مُسْنَدَاتِ ابْنِ عُمَرَ .
قُلْتُ : وَكَذَا جَعَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ . قَالَ الْمُحَدِّثُونَ : طَرِيقُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ هِيَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ سَالِمٍ بَدَلَ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَخْطَأَ أَبُو أَحْمَدَ فِيهِ ، ( وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ) الدِّمَشْقِيُّ ثِقَةٌ ، لَكِنَّهُ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ ، ( فَقَالَ : وَزْنُ الْمَدِينَةِ وَمِكْيَالُ مَكَّةَ ) وَهَذَا الْمَتْنُ مُخَالِفٌ لِمَتْنِ سُفْيَانَ ، وَرَجَّحَ الْمُحَدِّثُونَ رِوَايَةَ سُفْيَانَ فِي هَذَا ، ( وَاخْتُلِفَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فِي الْمَتْنِ ) الْمَرْوِيِّ ( فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ) مُرْسَلًا ( عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا ) الْبَابِ ، أَيِ اخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ عَلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ فِي مَتْنِهِ ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، كَمَا رَوَاهُ سُفْيَانُ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، كَمَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .