بَاب فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ
بَابٌ : فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَرِيشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا ، فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي قِلَاصِ الصَّدَقَةِ ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ باب في الرخصة في ذلك ( أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا ) : أَيْ يُهَيِّئَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ مِنْ مَرْكُوبٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِهِمَا ( فَنَفِدَتِ الْإِبِلُ ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ ، وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ : فَنِيَتْ أَوْ نَقَصَتْ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ أَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ جَمَلًا ، وَبَقِيَ بَعْضُ الرِّجَالِ بِلَا مَرْكُوبٍ ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ ) : أَيْ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ إِبِلٌ ( فِي قِلَاصِ الصَّدَقَةِ ) : جَمْعُ قَلُوصٍ ، وَهُوَ الْفَتَى مِنَ الْإِبِلِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى مَكَانٍ فِي ( إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ ) : أَيْ مُؤَجَّلًا إِلَى أَوَانِ حُصُولِ قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَسْتَقْرِضُ عَدَدًا مِنَ الْإِبِلِ حَتَّى يَتِمَّ ذَلِكَ الْجَيْشُ لِيَرُدَّ بَدَلَهَا مِنْ إِبِلِ الزَّكَاةِ قَالَهُ الْقَارِي . قَالَ فِي النَّيْلِ : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً مُتَفَاضِلًا مُطْلَقًا ، وَشَرَطَ مَالِكٌ أَنْ يَخْتَلِفَ الْجِنْسُ ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا مَعَ النَّسِيئَةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ ، وَتَمَسَّكَ الْأَوَّلُونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو ، وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْآثَارِ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُرَادُ بِهِ النَّسِيئَةُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ، وَهِيَ مِنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْجَمِيعِ .
وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْآثَارِ ، وَقَالُوا : إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَمْرٍو مَنْسُوخٌ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ تَقَرُّرِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ . وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِمَا سَلَفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صِحَّةِ إِطْلَاقِ النَّسِيئَةِ عَلَى بَيْعِ الْمَعْدُومِ بِالْمَعْدُومِ ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ أَوِ الشَّرْعِ فَذَاكَ ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ أَرْجَحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو ، ثُمَّ ذَكَرَ وُجُوهَ التَّرْجِيحِ ، فَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ فَعَلَيْكَ بِالنَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ أَيْضًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَيْضًا مَقَالًا ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ حَدِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولًا عَلَى أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا نَسِيئَةً .