بَاب فِي كَسْبِ الْأَطِبَّاءِ
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، نا أَبِي ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ ، فَأَتَوْهُ بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ فَرَقَاهُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ، وَكُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ، ثُمَّ تَفَلَ فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ ، فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ لَهُ ، فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلْ ، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ ( عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ خَارِجَةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بِزِيَادَةِ لَفْظِ أَبِي ، وَهُوَ غَلَطٌ ( مِنْ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ ) : أَيِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِخَيْرٍ ) : أَيْ بِالْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ ( بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ ) : أَيْ مَجْنُونٍ . وَفِي الْمُغْرِبِ هُوَ نَاقِصُ الْعَقْلِ ، وَقِيلَ : الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ ، ذَكَرَهُ الْقَارِي . وَفِي الْمَجْمَعِ : الْمَعْتُوهُ هُوَ الْمَجْنُونُ الْمُصَابُ بِعَقْلِهِ ، وَقَدْ عَتَهَ فَهُوَ مَعْتُوهٌ ( غَدْوَةً وَعَشِيَّةً ) : أَيْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ ، أَوْ نَهَارًا وَلَيْلًا ( وَكُلَّمَا خَتَمَهَا ) : أَيْ أُمَّ الْقُرْآنِ ( جَمَعَ بُزَاقَهُ ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مَاءُ الْفَمِ ( كُلْ ) : أَمْرٌ مِنَ الْأَكْلِ ( فَلَعَمْرِي ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ : أَيْ لَحَيَاتِي ، وَاللَّامُ فِيهِ لَامُ الِابْتِدَاءِ ، وَفِي قَوْلِهِ : ( لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ ) : جَوَابُ الْقَسَمِ : أَيْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَأْكُلُ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ ، كَذِكْرِ الْكَوَاكِبِ ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهَا وَبِالْجِنِّ ( لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ ) : أَيْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِهِ .
وَإِنَّمَا حَلَفَ بِعُمْرِهِ لَمَّا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ حَيْثُ قَالَ : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾قَالَ الطِّيبِيُّ : لَعَلَّهُ كَانَ مَأْذُونًا بِهَذَا الْإِقْسَامِ وَأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾قِيلَ : أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاتِهِ ، وَمَا أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ قَطُّ ؛ كَرَامَةً لَهُ . وَ مَنْ فِي لَمَنْ أَكَلَ شَرْطِيَّةٌ ، وَاللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ ، وَالثَّانِيَةُ جَوَابٌ لِلْقَسَمِ سَادٌّ مَسَدَّ الْجَزَاءِ : أَيْ لَعَمْرِي لَإِنْ كَانَ نَاسٌ يَأْكُلُونَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَأَنْتَ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِالْمَاضِي فِي قَوْلِهِ : أَكَلْتَ . بَعْدَ قَوْلِهِ : كُلْ ؛ دَلَالَةً عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ وَأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ وَأُجْرَتُهُ صَحِيحَةٌ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِي .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَعَمُّ خَارِجَةَ هُوَ عَلَاقَةُ بْنُ صُحَارٍ التَّيمِيُّ السَّلِيطِي ، لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ الْعَلَاءُ ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : عُلَاثَةَ ، وَيُقَالُ : سَحَّارُ بِالتَّخْفِيفِ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .