بَاب فِي السَّلَفِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ( وَهُمْ يُسْلِفُونَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ السِّينِ مِنَ الْإِسْلَافِ أَيْ يُعْطُونَ الثَّمَنَ فِي الْحَالِ وَيَأْخُذُونَ السِّلْعَةَ فِي الْمَالِ ( فِي التَّمْرِ ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْمُثَلَّثَةِ ( السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ) مَنْصُوبَاتٌ إِمَّا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ يَشْتَرُونَ إِلَى السَّنَةِ ، وَإِمَّا عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ إِسْلَافُ السَّنَةِ ( مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ ) بِالْمُثَنَّاةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْمُثَلَّثَةِ . قَالَ فِي السُّبُلِ : رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُثَلَّثَةِ فَهُوَ بِهَا أَعَمُّ ( فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ) أَيْ إِذَا كَانَ مِمَّا يُكَالُ ( وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ) أَيْ إِذَا كَانَ مِمَّا يُوزَنُ ( إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَجَلِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ حَالًّا . وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ : يَجُوزُ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ جَوَازُ السَّلَمِ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرُهُ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُضْبَطُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَذْرُوعًا كَالثَّوْبِ اشْتُرِطَ ذِكْرُ ذَرِعَاتٍ مَعْلُومَةٍ ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا كَالْحَيَوَانِ اشْتُرِطَ ذِكْرُ عَدَدٍ مَعْلُومٍ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ فَلْيَكُنْ كَيْلُهُ مَعْلُومًا ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْزُونٍ فَلْيَكُنْ وَزْنًا مَعْلُومًا ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَلْيَكُنْ أَجَلُهُ مَعْلُومًا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا اشْتِرَاطُ كَوْنِ السَّلَمِ مُؤَجَّلًا بَلْ يَجُوزُ حَالًّا لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ مُؤَجَّلًا مَعَ الْغَرَرِ فَجَوَازُ الْحَالِّ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الْغَرَرِ . وَلَيْسَ ذِكْرُ الْأَجَلِ فِي الْحَدِيثِ لِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ بَلْ مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ أَجَلٌ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ السَّلَمِ الْحَالِّ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ الْمُؤَجَّلِ ، فَجَوَّزَ الْحَالَّ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اشْتِرَاطِ وَصْفِهِ بِمَا يُضْبَطُ بِهِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .